البتنجان المخلل.. المقال الساخر الذي كاد أن يطيح بالحكومة

0
3
في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن الكاتب الصحفي المصري الكبير محمود السعدني يعلم أن مقالاً من بضعة سطور سينشره في مجلة “المصور”، سيتحول إلى واحدة من أشهر الأزمات السياسية الساخرة في تاريخ الصحافة المصرية، وسيتطلب تدخل رئيس الجمهورية شخصياً لتهدئة “الوزراء الغاضبين”.
دكتوراه في “البتنجان”
بدأت القصة عندما خطّ قلم “الولد الشقي” مقالاً ينتقد فيه الأداء الاقتصادي الصعب للبلاد آنذاك. وبأسلوبه الساخر والمعهود، وجّه السعدني قذائفه نحو وزراء المجموعة الاقتصادية، واصفاً إياهم بأنهم جميعاً يحملون شهادات دكتوراه في “البتنجان المخلل”، ولا يفقهون في الإدارة الاقتصادية شيئاً. ولم يقف القطار الساخر عند الوزراء، بل امتد ليشمل رئيس الوزراء آنذاك، الدكتور عاطف صدقي، حيث كتب السعدني: “أما رئيس الوزراء فهو أرفع منهم شأناً بالتأكيد، لأن تخصصه الدقيق هو في البتنجان المخلل أبو دقة وتوم!”.
مكالمة الصباح من مبارك
لم يمر المقال مرور الكرام؛ ففي صباح يوم النشر، فوجئ السعدني برنين الهاتف، ل يجد على الطرف الآخر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
ابتدر مبارك الكاتب الساخر بلهجة عتاب لم تخلُ من الضحك قائلاً: “أنت هتبوظلي الوزارة يا محمود؟ الوزراء قالبين الدنيا وعايزين يستقيلوا بسبب البتنجان المخلل بتاعك!’.
ولم تقتصر الأزمة على المكاتب الحكومية فحسب، بل امتدت إلى بيوت الوزراء؛ حيث أضاف مبارك ضاحكاً في المكالمة: “مش بس الوزراء اللي زعلانين، ده حتى زوجات الوزراء غضبانين وطلبن الطلاق لأنك خليت برستيج أزواجهن في الأرض أمام المجتمع”.
نهاية الأزمة وبقاء الأثر
نجحت مكالمة الرئيس -التي اتسمت بالود والاحتواء- في امتصاص غضب الوزراء ودفعهم للتراجع عن الاستقالة، بينما أصر السعدني على موقفه مدافعاً عن حقه في النقد الساخر لمعاناة المواطن البسيط.
رحل السعدني ورحلت حكومة عاطف صدقي، وبقيت قصة “البتنجان المخلل” نموذجاً صحفياً فريداً يكشف كيف يمكن لـ “النكتة السياسية” والكلمة الساخرة أن تهز كراسي السلطة، وتتحول من مجرد حبر على ورق إلى مادة يتداولها رئيس الدولة مع كبار مسؤوليه.