في أواخر الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، شهدت مدينة حلب واحدة من أكثر الهزات الاقتصادية والاجتماعية قسوة في تاريخها الحديث، تمثلت فيما بات يُعرف شعبياً بـ “ظاهرة جماعي الأموال” أو شركات توظيف الأموال. لم تكن تلك الظاهرة سوى فقاعة مالية عملاقة قامت على الأوهام، وانتهت بتبخر مليارات الليرات السورية وضياع جنى عمر آلاف العائلات.
أسماء تصدرت المشهد وتحولت إلى رموز للأزمة
لم تكن الظاهرة مجرد حركات مالية عابرة، بل ارتبطت بأسماء أشخاص نجحوا في نسج شبكات معقدة من العلاقات واستغلال الثقة الاجتماعية المطلقة التي يحظى بها التجار في البيئة الحلبية. وبرزت في تلك الحقبة أسماء صريحة باتت محفورة في الذاكرة الجمعية للمدينة، على رأسهم:
– محمد أمين أمينو (المعروف بـ “أمينو”)
– عبد الوهاب الكلاس (المعروف بـ “الكلاس”)
– محمد طه (المعروف بـ “السيد طه”)
– إلى جانب أسماء أخرى لعبت أدواراً مشابهة في جمع الأموال مثل محمد خير عقاد وغيرهم ممن استقطبوا سيولة ضخمة من السوق.
آليات الاحتيال: من أين بدأت الحكاية؟
استغل هؤلاء التجار حالة الانفتاح الاقتصادي المحدود وغياب الرقابة المصرفية الصارمة آنذاك. واعتمدوا في نجاحهم المؤقت على استغلال النزعة الاستثمارية لدى المواطنين والرغبة في تحقيق عوائد سريعة في ظل تراجع القوة الشرائية للدخل الثابت.
قامت اللعبة على إغراء المودعين بفوائد خيالية وأرباح شهرية فلكية تفوق بأضعاف ما تمنحه المصارف الرسمية. وتوافد على مكاتب هؤلاء آلاف المواطنين، من صغار الكسبة والموظفين والمغتربين، وصولاً إلى العائلات التي باعت مصاغها الذهبي وممتلكاتها لتشغيلها طمعاً في “الريع السريع”.
لكن الحقيقة الاقتصادية خلف الكواليس كانت تُدار لعبة معقدة؛ فلم تُستثمر الأموال في مشاريع حقيقية منتجة تسهم في الاقتصاد، بل كانت الأموال الواردة من المودعين الجدد تُستخدم لدفع الأرباح العالية للمودعين القدامى، لإبقاء دائرة الوهم متسعة وجذب المزيد من الضحايا.
ساعة الصفر.. الانهيار الكبير
حين بلغت الكتلة النقدية المجمعة أرقاماً فلكية استحوذت على جزء هائل من السيولة المتداولة في حلب، بدأت عجلة الدفع بالتباطؤ حتى وصلت إلى طريق مسدود في منتصف التسعينيات.
أعلن هؤلاء عجزهم المفاجئ عن رد الأموال لأصحابها، لتنفجر الأزمة كالصاعقة على المجتمع الحلبي. وواجه آلاف المودعين كارثة مالية أدت إلى إفلاس عائلات بأكملها، وخراب بيوت، وحالات انتحار، وانهيار دراماتيكي للنسيج الاجتماعي والاقتصادي في المدينة.
التدخل الحكومي وعدالة لم تكتمل
تدخلت الدولة لاحقاً عبر الأجهزة الأمنية والقضائية، وتم توقيف الرؤوس المدبرة للظاهرة ومصادرة ما تبقى من أملاكهم وعقاراتهم المنقولة وغير المنقولة. تشكلت لجان قضائية وحكومية متخصصة لبيع تلك الممتلكات وتوزيع حصيلتها كتعويضات على المتضررين.
غير أن الحصيلة النهائية كانت صادمة؛ إذ جاءت المبالغ المستردة زهيدة للغاية ولا تتعدى نسباً ضئيلة جداً من حجم الديون والخصوم الفعلية. ومع تراجع القيمة الحقيقية لليرة السورية عبر السنوات، تبخرت حقوق المودعين تماماً، وبقيت قضية “جماعي الأموال” دراما سوداء تختصر واحدة من أسوأ صفحات الاحتيال المالي في ذاكرة سوريا الاقتصادية، ودرسًا قاسيًا متوارثًا في مخاطر الاستثمار خارج الأطر القانونية والرسمية.
