تغيير النظام، في أبسط تعريفاته، هو عملية “تبديل نخبة سياسية بأخرى”، شبيهة بعملية تغيير إدارة شركة خاسرة، مع الاحتفاظ بنفس الموظفين القدامى، ونفس العقليات، ونفس دفاتر الحسابات المزورة.
النظام الجديد يرضى بـ”البيزنطة” السياسية، أي أن يمسك هو بزمام القرار السياسي الخارجي والداخلي، بينما يُبقي على كامل البنية التحتية للدولة من مؤسسات متهالكة، وأجهزة أمنية متآكلة، وكوادر إدارية عملت على مدى عقود في تثبيت الفساد، وهندسة الولاءات.
أما انتصار الثورة، فهو ليس مجرد إزاحة طاغية، بل هو هندسة عقلية جديدة للدولة. إنها قطيعة أخلاقية وإدارية مع كل ما سبق، وإعادة تعريف لمفهوم “المواطن” و”العدالة” و”المال العام”.
لنفكك المشهد الحقيقي اليوم، بعيداً عن العموميات:
1. فيما يخص هوية متخذي القرار ومن في مناصبهم: اليوم، لو طرحت سؤالاً على أي موظف في أي مديرية أو وزارة، ستكون إجابته صادمة بواقعيتها: “الأمر نفسه. أسماء المديرين تغيرت، لكن القرار بيد من كان يمسكه من خلف الستار. الشبيحة القدامى، الذين أوغلوا في دماء السوريين، لم يغادروا مكاتبهم؛ بل وجدوا لأنفسهم غطاءً جديداً تحت مسمى ‘الخبرة الإدارية’ أو ‘ضرورة استمرارية العمل'”.
وهنا تكشف الثورة عن وجهها: الثورة لا تسمح بأن يجلس من قاد آلة القمع على كرسي، ثم نطلب من المواطن أن يثق بالدولة الجديدة. الثورة تضع مبدأً راسخاً: “لا شراكة بين الجلاد والضحية في بناء المستقبل”.
2. فيما يخص قانون المحاسبة وإعادة الاعتبار: في منظومة تغيير النظام، يُطوى ملف الفساد تحت ذرائع “مصلحة الوطن” و”عدم الفرقة”، ويُكتفى بإقالات شكلية. أما الثورة، فتُنشئ هيئات تحقيق مستقلة، وتفتح كل ملفات العقود النفيسة، وصفقات التهريب، وسرقة الغاز والنفط، ولا تترك ملفاً واحداً دون تدقيق.
الثورة الحقيقية لا تسمح لمدير عام بأن يستقدم من يشاء تحت يافطة “الكفاءة” وهنالك العشرات من أمثاله في مؤسسات الدولة.
الثورة تُلغي مفهوم “الواسطة” و”المحسوبية” كلياً، وتجعل معيار التوظيف هو النزاهة والقدرة فقط، وتُعيد فتح باب العمل والمناصب لكل من تم تهميشه ظلماً، لأن الثورة دينٌ في عنقها تجاه الشرفاء الذين سُحقوا لعقود.
3. فيما يخص المحاصصة والفصائلية: تغيير النظام غالباً ما يُدير ظهره لمبدأ الدولة المدنية، ويوزع المناصب على أساس الانتماء الفصائلي أو المناطقي، وكأن الدولة “غنيمة” بين الأطراف المنتصرة.
أما الثورة، فترفض هذا المنطق جملة وتفصيلاً. الثورة لا تفرق بين سوري وآخر بناءً على فصيله أو منطقته. هي تنظر إلى المواطن ككيان حقوقي متكامل، وتجعل المناصب العامة تكليفاً وليس تشريفاً. لا مكان في الثورة للمدعوم والعائلة، بقدر ما هو مكان لـ”جدية العمل” و”نظافة اليد”.
4. فيما يخص العاملين في القطاعات الحيوية (قطاع النفط والغاز): لننظر إلى مشهد قطاع النفط اليوم. في حالة تغيير النظام، يُترك القطاع للموظفين الذين أداروا العمل لصالح الشركات الروسية وللأطراف المحلية كـ”القاطرجي” وشركة المهام وغيرها من العقود الفاسدة، ويُترك الموظفون العالقون بينهم كالمفصولين ثورياً والمهمشين على الرف، وتبقى إدارة القطاع كما كانت.
أما بانتصار الثورة، فهو أن تُفتح ملفات عقود قطاع النفط من الصفر. الثورة تفرز الموظفين: من كان مجبراً بظروفه على البقاء يُعاد تأهيله ويُصان حقه، أما من تورط بوعي في نهب الثروة فيُحاسب. لا تترك الثورة “القرار” للفاسدين ولا للمدراء المتسلطين؛ بل تضع قوانين تحمي العامل الشريف وتُجرم المستفيد.
5. فيما يخص تخبط القرار وإقصاء العدل: تغيير النظام يتخبط بين سياسات الإغراء والوعيد؛ يوم يُبقي على الفاسد وينتظر دليلاً ومحاكمة، ويوم يدين المتكلم عن الفساد.
أما الثورة، فلا تعرف التخبط، لأنها تمتلك بوصلة أخلاقية واضحة. الثورة لا تضع العدل جانباً لمجرد تحقيق “استقرار مؤقت”. الثورة لا تترك القرارات الشخصية المصيرية بيد مدير يتصرف بمزاجه وكأنه هو القانون، بل تُخضع كل الموظفين بما فيهم المدير لقوانين وتشريعات ناظمة للصلاحيات، وتجعل “العدل” هو الضابط الأول لكل سياسة.
6. فيما يخص ملف إعادة الإعمار والتعويضات (كحال القابون وجوبر): في سياسة تغيير النظام، يُدار ملف إعادة الإعمار وكأنه “بازار” أو صفقة تجارية مع شركات مقربة، ويُهمش المتضررون الحقيقيون (ممن تهدمت بيوتهم في الغوطة وجوبر والقابون) ويُجلسون على قوائم الانتظار، بينما تُوزع الامتيازات على شركات خاصة لتكون المنطقة فرصة سهلة وتضيع حقوق الضعفاء.
أما الثورة، فهي تعتبر تعويض المتضررين أولوية أخلاقية قبل أن تكون أولوية اقتصادية. الثورة ترفض أن يكون ألم الناس سلعةً في سوق السياسة؛ الثورة ترى في بيت كل مهجّر وطناً مصغراً يجب إعادته إليه قبل أي مشروع استراتيجي كبير.
الخلاصة العميقة في كلمات قليلة:
تغيير النظام هو أن نُزيح الطاغية، لكننا نُبقي على عبثه ورجالاته في المؤسسات. انتصار الثورة هو أن نُعيد الروح إلى المؤسسات، ونجعلها خادمة للناس، لا أداةً للخوف والامتياز.
الثورة ليست لحظة سقوط، بل هي عملية جراحية متواصلة، تستأصل الفساد من جذوره، وتُعيد بناء الإنسان السوري قبل الحجر. وما لم نشهد هذه العملية الجراحية على الأرض، سنظل ندور في حلقة مفرغة من خيبات الأمل.
