حارس الثغور الصامت: سيرة العقيد الشهيد فيصل عوض في ريف حمص

0
3
​في المشهد العام للثورة السورية تظل البطولات الحقيقية مدفونة في تفاصيل الجبهات المنسية والقرى المحاصرة. 
من هنا تأتي الشهادة التي سطرها الإعلامي طارق شحادة لتسلط الضوء على نموذج فريد من القيادة الميدانية المتمثلة في العقيد المنشق فيصل عوض، قائد جبهة عيون حسين والمشرفة في ريف حمص الشمالي. 
توثيق هذه القصة ليست مجرد وفاء لرفاق السلاح، بل هو قراءة تحليلية في بنيان الصمود العسكري والأخلاقي الذي ميز النواة الأولى للضباط المنشقين.
​تُظهر المعطيات الميدانية التي رافقها طارق شحادة أن العقيد فيصل عوض لم يكن قائداً مكتبياً، بل كان عنصراً محورياً متواجداً على خطوط النار على مدار الساعة. لقد اتسم عمله العسكري بالتصاق مكاني وتكتيكي تجسد في دراسة دقيقة لتضاريس الجبهة المحتدمة بين حقول اللوز، ورصد مستمر لتحركات النظام، وتحصين شخصي للمواقع بمشاركة أفراد عائلته وعدد من ضباط العائلة المنشقين. وقد عمل في بيئة عملياتية تفتقر إلى الحد الأدنى من الدعم اللوجستي والعسكري المؤسسي، معتمداً كلياً على الإمكانيات الذاتية والتنسيق المحدود مع الفصائل المجاورة لسد الثغور الأكثر خطورة في طوق حمص الشمالي.
​يكشف التمعن في تفاصيل الحياة اليومية للعقيد فيصل عوض عن مفارقة تعكس نقاء الدافع الوطني؛ فعلى الرغم من موقعه القيادي المتقدم، كانت عائلته تقيم لسنوات طويلة في خيمة ضمن حقل ترابي تحت وطأة الحصار، دون أن يصدر عنه أي تذمر أو استثمار لرمزيته العسكرية في تحقيق مكاسب شخصية. وتجلت هذه الصلابة النفسية بوضوح في الحادثة التي وثقها شحادة عند استهداف مقره ببرميل متفجر أدى إلى انهيار المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق بالكامل، ليكون خروجه من تحت الأنقاض سالماً مستبشراً بعبارته الشهيرة “مافي شي”، تعبيراً عن رباطة جأش نادرة وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات القيادية والميدانية.
​استمر العقيد فيصل عوض في مواقع الرباط حتى استشهاده متأثراً بكمين لقوات النظام في ذات البساتين التي شهدت سنوات صموده. إن إبراز هذه النماذج وإعادة صياغتها بمهنية واحترافية يمثلان ضرورة وطنية وأخلاقية، لتوثيق الذاكرة الجماعية لسنوات الثورة الأولى، وإبقاء سير الرجال الذين صنعوا فارق التضحية الحقيقية حاضرة في الوجدان العام.