غيّب الموت أمس الاثنين أحد أعمدة المونتاج في السينما السورية والعربية، المخرجة والمونتيرة القديرة أنطوانيت عازرية، تاركةً خلفها أرشيفاً غنياً من الصور والمشاهد التي أعادت ترتيب ذاكرة الفن السابع في سوريا.
وكانت وزارة الثقافة السورية قد نعت الراحلة ببالغ الحزن والأسى، مؤكدةً في بيان رسمي أن السينما السورية فقدت برحيلها قامة قديرة أسهمت بخبرتها وعسف لقطاتها في إثراء المشهد السينمائي، وتركت بصمة مبدعة في “فن المونتاج” بما يتطلبه من دقة، وحس إبداعي، ورؤية جمالية عالية.
من حلب إلى القاهرة: رحلة التأسيس والصقل الفني
وأبصرت أنطوانيت عازرية النور في مدينة حلب عام 1950؛ وهناك تشربت شغف الفن والثقافة الأولى، قبل أن تأخذها بوصلة الشغف نحو العاصمة المصرية القاهرة—قلعة السينما الشرقية آنذاك.
في القاهرة، التحقت بأعرق الصروح الفنية، وتخرجت في المعهد العالي للسينما عام 1976 متخصصة في المونتاج السينمائي، وهو التخصص الذي يُعرف عالمياً بـ “الإخراج الثاني للفيلم”، حيث يُصنع الإيقاع وتولد روح القصة.
وعقب تخرجها، آثرت عازرية العودة إلى وطنها دمشق عام 1977 لتنضم إلى المؤسسة العامة للسينما، وتبدأ مرحلة التأسيس الحقيقي لسينما سورية جديدة توازن بين القضية والجماليات Visual Aesthetics.
مهندسة الإيقاع في روائع السينما السورية
وعلى مدار عقود، لم تكن عازرية مجرد فنيّة تقصّ الشريط السينمائي، بل كانت شريكاً إبداعياً لأبرز قامات الإخراج والسينما السورية الملتزمة. وقد شكلت لمساتها على طاولة المونتاج حجر الزاوية في نجاح عدد من أهم الأفلام التي شُكّلت في الذاكرة العربية، ومن أبرزها: “حادثة النصف متر” (بالاشتراك مع زهير داية) — للمخرج سمير ذكرى. “نجوم النهار” و “ليالي ابن آوى”— للمخرج أسامة محمد (أعمال صُنفت كعلامات فارقة في تاريخ السينما العربية). “الطحالب” و “صهيل الجهات” — للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد. “اللجاة”— للمخرج رياض شيا. وغيرها الكثير من الروائع في السينما السورية.
ولم تكتفِ عازرية بصياغة رؤى الآخرين من خلف طاولة المونتاج، بل انتقلت إلى خلف الكاميرة لتخوض تجربة الإخراج من خلال فيلمها القصير “الأطفال ليسوا دائماً حمقى”، والذي عكس رؤيتها الإنسانية العميقة تجاه عالم الطفل والواقع الاجتماعي.
تتويج دولي وتاريخ من الجوائز
وحصدت أنطوانيت عازرية خلال مسيرتها الحافلة تقدير المحافل الدولية، ونالت ثلاث جوائز عالمية في المونتاج، تشهد على تفوقها الفني: العام الفيلم المهرجان / التقدير 1976 الفيلم المصري “حكاية ما جرى في مدينة نعم” جائزة التخرج والتميز الدولي 1988 الفيلم السوري “نجوم النهار” جائزة أفضل مونتاج – مهرجان قرطاج الدولي (تونس)1996 الفيلم السوري “اللجاة” جائزة المونتاج – مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي (مصر).
وبرحيل أنطوانيت عازرية، تطوى صفحة من صفحات الجيل الذهبي للسينما السورية؛ جيلٌ صنع سينما بروح المعاناة والشغف والإمكانات الفردية العالية.

