رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا: ضرورة فرضها الانهيار، وأخطاء أفسدت التنفيذ

0
3
لم يكن قرار رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا — من بنزين ومازوت وفيول وغاز — مجرد إجراء اقتصادي عابر، بل جاء تتويجاً لتحول عميق في بنية تمويل هذا القطاع. وبين من يرى في الرفع استحقاقاً حتمياً بعد انهيار نموذج الدعم القديم، ومن يرى فيه عبئاً جديداً على المواطن، يبقى السؤال الأهم: ما الأسباب الحقيقية خلف هذا التحول؟ وكيف تحوّل إصلاح ضروري إلى أزمة ثقة؟
أولاً: النموذج القديم — دعم بتمويل إيراني لا باقتصاد وطني
قبل العام 2024، كان قطاع المشتقات النفطية في سوريا يعتمد بشكل شبه كامل على واردات النفط الإيراني، إضافة إلى كمية محدودة من الغاز في حقول المنطقة الوسطى لا تتجاوز 6 إلى 7 ملايين متر مكعب يومياً. 
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن ثلاث ناقلات نفط بحمولة تبلغ 3 ملايين برميل نفط كانت تصل شهرياً إلى مصب بانياس:
• ناقلة واحدة تأتي كمنحة مجانية من الجانب الإيراني.
• ناقلتان مدفوعتا الثمن ولكن بالآجل الطويل، لكن عائدات بيعهما بعد التكرير لم تُوجَّه بشكل أساسي إلى دعم المشتقات أو تطوير القطاع.
كانت الناقلتان تُكرَّران في معملي حمص وبانياس، ثم تُباع المشتقات الناتجة — فيول، مازوت، بنزين — في الأسواق المحلية، لتأمين سيولة كبيرة للمصرف المركزي والحكومة. 
أما تأمين احتياجات المواطن وقطاعات الإنتاج فكان يتم بالحد الأدنى، بينما استُخدم الفيول الثقيل المتبقي في توليد الكهرباء. وهكذا تراجعت الوفرة تدريجياً، واتسعت الطوابير والسوق السوداء، وكان التوزيع يتم عبر البطاقة الذكية.
باختصار، لم تكن أسعار المشتقات منخفضة لأن الدولة منتجة أو غنية، بل لأن جزءاً من تكلفتها الفعلية كان يُدفع عبر ترتيبات سياسية خارجية، بينما كان النقد الناتج عن التكرير يُستخدم في أولويات أخرى.
ثانياً: انهيار النموذج — عندما توقف النفط الإيراني
مع سقوط النظام السابق، توقفت الواردات النفطية الإيرانية بالكامل. فجأة، وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمام قطاع مشتقات يعاني عجزاً كبيراً، وتهريباً واسعاً، وبنية تحتية متهالكة، وسعراً رسمياً لا يعكس الكلفة الحقيقية، بينما تتجاوز كلفة التأمين والتكرير والنقل السعر المعلن بأضعاف. 
في تلك المرحلة، لم يعد الاستمرار في سياسة الدعم الشامل خياراً ممكناً، لا لعدم الرغبة، بل لغياب أي مصدر تمويل بديل بالحجم نفسه. النموذج القائم على النفط المجاني انهار لأنه كان مرتبطاً بكيانات سياسية لم تعد موجودة على الأرض السورية.
ثالثاً: منطق التسعير الجديد — لماذا يجب أن تعكس السلعة قيمتها؟
انتقلت الحكومة الجديدة إلى سياسة تسعير تقوم على فرضية أن أي سلعة تقدمها الدولة يجب أن تعكس قيمتها الحقيقية في السوق. 
وهذا التحول ليس قراراً سورياً خالصاً، بل هو شرط ضمني أو صريح من المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة، وهو ضرورة لا بديل عن تطبيقها.
ويقوم هذا المنطق على اعتبارات أساسية:
1. ترشيد الاستهلاك: عندما يقترب السعر من الكلفة الفعلية، يُستهلك المورد وفق الضرورة، ويتراجع الهدر.
2. توليد فائض مالي: التسعير الحقيقي يمكن أن يؤمّن إيرادات مستقرة للدولة، تسمح لها بإعادة تأهيل المصافي والبنية التحتية.
3. جذب التمويل الدولي للاستثمار في العمل بالحقول: المؤسسات المالية لا تمول قطاعات تعاني عجزاً متراكماً دون خطة واضحة لتصحيح المسار.
لكن الاعتراف بضرورة الإصلاح لا يعني إغفال الأخطاء الكبيرة التي رافقت تطبيقه.
رابعاً: أخطاء التنفيذ — تسلسل زمني مقلوب
يمكن تلخيص الإشكاليات التي رافقت رفع أسعار المشتقات النفطية في نقطتين:
1. الرفع قبل آليات الدعم والرقابة: تم رفع الأسعار بشكل مفاجئ وكبير قبل أن تصل البطاقة الذكية أو أنظمة التوزيع المدعوم أو آليات الرقابة على المحطات إلى المواطنين. أي أن المواطن طُلب منه دفع ثمن مرتفع دون أي وسيلة لضبط استهلاكه أو الاستفادة من دعم موجه.
2. الرفع قبل تحسين الوفرة: جاءت الزيادة الكبيرة في وقت لا تزال فيه كميات المشتقات غير مستقرة، والطوابير قائمة، وجودة المنتجات محل شك. والمنطق الطبيعي للإصلاح يقضي بتحسين الوفرة والخدمة أولاً، ثم رفع السعر تدريجياً، لا العكس.
خامساً: المخاوف المشروعة — أين تذهب الإيرادات؟
إلى جانب أخطاء التوقيت، هناك قلق شعبي عميق ومشروع حول وجهة الإيرادات الجديدة. فذاكرة الشارع السوري طويلة، وتتذكر كيف أُنفقت عائدات النفط والمشتقات في العقود الماضية: مكاتب فارهة، أساطيل سيارات مصفحة، بيروقراطية منتفخة، وفساد منظم.
والمواطن الذي يدفع اليوم ثمناً حقيقياً للمشتقات له كل الحق في أن يسأل: هل ستذهب هذه الأموال إلى بناء مصافٍ جديدة، وترميم البنية التحتية، وتأمين المشتقات، ودعم الفئات الهشة؟ أم سنشهد إعادة إنتاج نمط الريعية السابق بأشخاص جدد؟ غياب الشفافية في إيرادات قطاع المشتقات وخطة إنفاقها يغذي هذا القلق، ويضاعف حالة الاحتقان الشعبي.
ما بين ضرورة الإصلاح وأخطاء التنفيذ
ما تشهده سوريا في قطاع المشتقات النفطية هو تحول من نموذج تمويل سياسي خارجي — النفط الإيراني — إلى نموذج تسعير محلي يعكس الكلفة الحقيقية. هذا التحول كان حتمياً بعد انهيار النظام السابق وتوقف التدفقات النفطية، وهو ينسجم مع توجهات المؤسسات المالية الدولية نحو إلغاء الدعم الشامل واستبداله بسياسات دعم موجه.
لكن الضرورة الاقتصادية لا تبرر الأخطاء التنفيذية. رفع الأسعار قبل آليات الدعم والرقابة، وقبل تحسين الوفرة، وقبل تعديل الرواتب، كان قراراً متسرعاً أنتج نتائج عكسية على مستوى الثقة الشعبية.
الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة ليس في قدرتها على فرض التسعير الجديد، بل في قدرتها على:
• تصحيح التسلسل الزمني للإصلاح.
• توفير شبكة أمان اجتماعي للفئات المتضررة.
• ضمان الشفافية الكاملة في إنفاق إيرادات المشتقات النفطية.
• تقديم وفرة أفضل وخدمة مستقرة مقابل السعر الأعلى.
بدون هذه الخطوات، سيظل قرار رفع أسعار المشتقات النفطية معلقاً بين كونه ضرورة اقتصادية قاسية من جهة، وخطأ سياسياً وتنفيذياً مكلفاً من جهة أخرى.