Site icon Syria Trends

زيارة الزيدي إلى دمشق.. النفط وأمن الحدود يرسمان ملامح الشراكة السورية العراقية

تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة السورية دمشق، اليوم الأربعاء، أهمية سياسية واقتصادية وأمنية، باعتبارها أول زيارة لرئيس حكومة عراقي إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، بعد فترة اتسمت بالحذر في تعامل بغداد مع السلطة السورية الجديدة.
وتأتي الزيارة، التي استقبله خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع في مطار دمشق الدولي، في ظل تحولات إقليمية متسارعة، وحاجة البلدين إلى تحويل الروابط الجغرافية والتاريخية إلى مصالح اقتصادية وتفاهمات سياسية وتعاون أمني مستدام. 
من الحذر السياسي إلى اختبار الشراكة
لا تقتصر أهمية الزيارة على مستوى التمثيل الرسمي، بل تتجاوز ذلك إلى دلالتها السياسية، إذ تعكس استعداد بغداد ودمشق لتطوير علاقاتهما على أساس المصالح المشتركة، بعيداً عن الخلافات التي حكمت مراحل سابقة.
وتحمل زيارة الزيدي رسالة مفادها أن استقرار سوريا يرتبط، إلى حد كبير، بمصالح دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، الذي يتشارك معها حدوداً تزيد على 600 كيلومتر، فضلاً عن تشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والتجارية بينهما.
ومن شأن انتظام التواصل السياسي بين الحكومتين أن يتيح معالجة الملفات الخلافية بصورة مباشرة، وتطوير آليات التنسيق بشأن التطورات الإقليمية، بما يحفظ مصالح البلدين وسيادتهما، ويحد من انعكاسات الصراعات المحيطة بهما. 
النفط.. المصلحة الاقتصادية الأبرز
يبرز ملف الطاقة في صدارة المصالح المشتركة، خصوصاً مع بحث إمكانية تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، وإحياء خط أنابيب “حديثة – بانياس”، الذي يمكن أن يمنح العراق مساراً إضافياً لتصدير نفطه، ويتيح لسوريا دوراً اقتصادياً ولوجستياً في حركة الطاقة الإقليمية.
وتزداد أهمية هذا المسار في ظل اضطرابات الملاحة الإقليمية ومخاطر الاعتماد على طرق تصدير محدودة، إذ إن تنويع المنافذ قد يمنح العراق خيارات إضافية، فيما يمكن أن تستفيد سوريا من رسوم العبور والاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة.
وتناولت مباحثات الشرع والزيدي، وفق ما أوردته وسائل إعلام عراقية، مشروع تصدير النفط عبر خط بانياس، إلى جانب زيادة التبادل التجاري والتعاون في القطاع الزراعي. غير أن تحويل هذه الملفات إلى مكاسب فعلية يتطلب اتفاقات تنفيذية واضحة بشأن التمويل والتكاليف والطاقة الاستيعابية والضمانات الفنية والأمنية. 
كما تفتح العلاقات الاقتصادية المجال أمام توسيع حركة الشاحنات والبضائع، وتنشيط المعابر الحدودية، وتطوير التعاون في الزراعة والصناعة والنقل، بما يوفر فرصاً للشركات والمنتجين في البلدين، ويساعد على إعادة بناء الروابط التجارية التي تضررت بفعل سنوات الصراع والاضطراب.
أمن الحدود ومكافحة تنظيم “داعش”
يمثل الأمن ملفاً لا يمكن فصله عن مستقبل العلاقات السورية العراقية، نظراً إلى امتداد الحدود المشتركة، وما تفرضه من تحديات تتعلق بمنع تسلل المسلحين، ومكافحة التهريب، وملاحقة الخلايا الإرهابية، وتأمين المعابر والمناطق الحدودية.
ويحتاج البلدان إلى تنسيق أمني واستخباراتي مستمر، وتبادل المعلومات، ووضع آليات مشتركة للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود، ولا سيما مخاطر عودة نشاط تنظيم “داعش” أو استغلال أي فراغ أمني في المناطق الحدودية.
ولا تقتصر مصلحة بغداد ودمشق في هذا الجانب على منع الهجمات، بل تشمل أيضاً ضمان استقرار المجتمعات المحلية، وحماية طرق التجارة والنقل، ومنع تحول الحدود إلى مصدر دائم للتوتر. ويتطلب ذلك تعاوناً مؤسسياً طويل الأمد، لا تقتصر نتائجه على التفاهمات السياسية المعلنة خلال الزيارات الرسمية.
الجغرافيا بوابة إلى البحر المتوسط
تمنح الجغرافيا سوريا فرصة للاضطلاع بدور مهم في ربط العراق بالبحر المتوسط، سواء عبر خطوط الطاقة أو الطرق البرية والموانئ. وقد برزت في النقاشات السورية العراقية أفكار تتعلق بتطوير الربط بين ميناء الفاو العراقي والموانئ السورية، بما يفتح آفاقاً أوسع للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية.
وإذا تحولت هذه الأفكار إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، فقد تسهم في تعزيز موقع البلدين ضمن شبكات النقل الإقليمية، وتوفير بدائل إضافية لحركة البضائع والطاقة، فضلاً عن استقطاب استثمارات جديدة. لكن نجاحها سيظل مرتبطاً بكلفتها الاقتصادية، والقدرة على تأمين البنية التحتية، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار. 
هل تنتقل العلاقات إلى مرحلة التنفيذ؟
تكمن الأهمية الفعلية لزيارة الزيدي في قدرتها على نقل العلاقات السورية العراقية من مستوى التصريحات السياسية إلى اتفاقات عملية قابلة للقياس والتنفيذ.
فالتحدي أمام دمشق وبغداد لا يتمثل في إعلان الرغبة في التعاون فحسب، بل في تحديد أولويات واضحة، ووضع جداول زمنية للمشروعات المشتركة، ومعالجة العقبات الإدارية والمالية والأمنية التي قد تعترضها.
وتحتاج سوريا إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع محيطها العربي، واستعادة دورها في حركة التجارة والطاقة الإقليمية، فيما يسعى العراق إلى تنويع منافذ تصدير النفط، وتعزيز أمن حدوده، وتوسيع أسواقه التجارية. وهذه المصالح المتبادلة توفر أساساً عملياً للتقارب، بصرف النظر عن الاختلافات السياسية التي قد تظهر بين الجانبين.
وبذلك، تمثل زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق اختباراً لمدى قدرة البلدين على بناء علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، وتستند إلى تعاون اقتصادي وأمني مستقر. وستتحدد نتائجها الفعلية بما ستفضي إليه من اتفاقات قابلة للتنفيذ، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين والاقتصاد في البلدين، وليس بمجرد مستوى الاستقبال الرسمي أو التصريحات الصادرة عن اللقاءات. 
Exit mobile version