سوريا تطوي 47 عاماً من التصنيف الأمريكي.. الدبلوماسية تزيل آخر حواجز إرث النظام البائد

0
3
يمثّل شطب الجمهورية العربية السورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحولاً سياسياً وقانونياً بالغ الدلالة، ليس فقط لأنه ينهي تصنيفاً استمر قرابة نصف قرن، بل لأنه يكرّس بصورة رسمية الفارق بين سوريا الجديدة وبين السياسات التي دفعت البلاد إلى العزلة والعقوبات لعقود طويلة.
منذ عام 1979، ارتبط اسم سوريا بهذا التصنيف نتيجة الخيارات والتحالفات التي تبناها النظام السابق، بينما تحمل السوريون على مدى سنوات طويلة النتائج السياسية والاقتصادية والمالية المترتبة عليه. واليوم، يُطوى أحد أثقل الملفات التي ورثتها الدولة السورية الجديدة عن تلك المرحلة.
القرار لم يأتِ منفصلاً عن التحول الذي شهدته البلاد، ولا يمكن قراءته بوصفه هدية سياسية أو امتيازاً قُدّم لسوريا. فالواقع الذي استند إليه التصنيف تغيّر، والدولة التي تتعامل معها واشنطن والمجتمع الدولي اليوم ليست الدولة ذاتها التي قامت سياساتها لعقود على توظيف التحالفات المسلحة والصراعات الإقليمية.
خلال المرحلة الماضية، عملت دمشق على تثبيت صورة مختلفة لسوريا: دولة مسؤولة عن أراضيها، ملتزمة بمكافحة الإرهاب، تسعى إلى بناء علاقات طبيعية مع محيطها والعالم، ولا تريد أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو منطلقاً لتهديد الدول الأخرى.
ومن هنا، فإن رفع التصنيف يعكس قبل كل شيء تحولاً في الوقائع التي بُني عليها القرار الأمريكي القديم.
ثمرة مسار دبلوماسي طويل
القرار الجديد لا يمكن فصله عن العمل الدبلوماسي الذي خاضته سوريا خلال الفترة الماضية لإعادة بناء علاقاتها الخارجية، وفتح قنوات الحوار مع القوى الدولية، ومعالجة الملفات الموروثة التي عطلت اندماج البلاد في النظام الدولي.
وبهذا المعنى، تقترب الدبلوماسية السورية من إغلاق آخر الملفات القانونية الكبرى المرتبطة بمرحلة العزلة السابقة.
وقد أثبتت التجربة أن استعادة العلاقات الدولية لا تتم عبر الخطابات وحدها، وإنما عبر خطوات سياسية وأمنية وقانونية تعيد بناء الثقة وتمنح الأطراف الدولية أساساً عملياً للتعامل مع الدولة السورية.
أما الحديث عن تقديم دمشق “تنازلات” مقابل رفع التصنيف، فيتجاهل طبيعة الشروط القانونية التي تحكم هذا الملف. فعدم دعم الإرهاب والتعاون على مكافحته وتقديم ضمانات بعدم العودة إلى سياسات سابقة ليست أثماناً سياسية، وإنما التزامات بديهية لأي دولة تسعى إلى إقامة علاقات طبيعية ومسؤولة مع العالم.
صفحة جديدة مع واشنطن
يحمل القرار أيضاً دلالة واضحة على مستوى العلاقات السورية ـ الأمريكية، ويعكس تقدماً في مسار الحوار بين دمشق وواشنطن.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته في الوصول إلى هذه النتيجة، بما يسمح ببناء علاقة أكثر استقراراً تقوم على المصالح المشتركة، وأمن المنطقة، ومحاربة الإرهاب، بدلاً من إدارة العلاقة من خلال منظومة العقوبات والتصنيفات التي تعود إلى حقبة مختلفة تماماً.
ولا يعني ذلك أن جميع الملفات بين البلدين قد حُسمت، لكنه يؤسس لبيئة جديدة تسمح بمعالجة الخلافات والتعاون بعيداً عن القيود التي كبّلت العلاقة لعقود.
الأثر الاقتصادي مهم.. لكنه لن يظهر بين ليلة وضحاها
اقتصادياً، يمثل رفع التصنيف إزالة عقبة قانونية كبيرة أمام عودة سوريا إلى التعامل بصورة أوسع مع المصارف والمؤسسات والشركات الدولية، لكنه لا يعني أن النتائج ستنعكس فوراً على الأسواق الداخلية.
لن يتغير سعر الصرف آلياً بمجرد صدور القرار، ولن تتراجع الأسعار أو تتحسن الرواتب والكهرباء والمحروقات كنتيجة مباشرة وفورية له.
فالقطاع المصرفي الدولي يعمل وفق إجراءات امتثال وتقييم مخاطر معقدة، واستعادة العلاقات المالية الكاملة تحتاج إلى مفاوضات وقرارات داخلية لدى البنوك والمؤسسات والشركات قد تستغرق أشهراً.
لكن الأهمية الحقيقية للقرار تكمن في ما يتيحه على المدى المتوسط والبعيد: توسيع قنوات التجارة، تحسين فرص الاستثمار، تسهيل التحويلات والتمويل، وتهيئة ظروف أفضل لعملية التعافي وإعادة الإعمار.
أي أن سوريا لا تحصل على نتائج اقتصادية جاهزة، لكنها تستعيد جزءاً أساسياً من الأدوات التي تحتاجها لبناء تلك النتائج.
العقوبات على المتورطين بالجرائم باقية
وفي الوقت الذي تُرفع فيه القيود التي استهدفت الدولة السورية بصفتها دولة، تبقى العقوبات المرتبطة بالأفراد والكيانات المتهمة بارتكاب الجرائم والانتهاكات أو الاتجار بالكبتاغون أو الارتباط بالتنظيمات الإرهابية مساراً منفصلاً.
وهذه نقطة أساسية في فهم المرحلة الجديدة: إزالة القيود عن سوريا لا تعني إسقاط المسؤولية عن الذين ارتكبوا الجرائم بحق السوريين.
بل على العكس، فإن الفصل بين الدولة السورية وبين شبكات النظام السابق والمتورطين في الانتهاكات يشكل أحد أبرز معاني التحول الذي شهدته البلاد.
ليست «عودة» إلى العالم.. بل إزالة آخر القيود
من الخطأ اختزال الحدث بعبارة “عودة سوريا إلى المجتمع الدولي”، لأن سوريا بدأت فعلياً منذ سقوط النظام السابق مسار استعادة علاقاتها وموقعها الخارجي.
ما يحدث اليوم هو خطوة أكثر تحديداً وأهمية: إزالة أحد آخر العوائق القانونية الكبرى التي بقيت من إرث المرحلة السابقة، وفتح مساحة أوسع أمام الدولة السورية للتحرك السياسي والاقتصادي بصورة طبيعية.
بعد 47 عاماً، ينتهي تصنيف ارتبط بمرحلة كاملة من تاريخ البلاد.
ولا تكمن قيمة الحدث في الورقة القانونية وحدها، بل في الرسالة السياسية التي يحملها: عندما تغيرت سوريا، تغيرت طريقة تعامل العالم معها.
وهكذا، لا تُسدل الستارة فقط على تصنيف أمريكي امتد لعقود، بل على فصل كامل من العزلة والقيود، فيما تفتح الدبلوماسية السورية الباب أمام مرحلة تقوم على علاقات طبيعية، ومسؤوليات واضحة، ومصالح متبادلة مع العالم.