Site icon Syria Trends

عائلة العباسي الدمشقية: قصة أب وابنيه عصفت بهم رياح الموت السوري المبكر في الثمانينات

في عائلات سورية كثيرة، لم تكن السياسة خياراً بقدر ما كانت قدراً دامياً فرضه واقع عقود سابقة من القمع. وفي أزقة حي ركن الدين العريق بدمشق، تروي عائلة “العباسي” سيرة موجعة لعائلة فقدت معيلها وشابين من أبنائها في محطات متفرقة من أواخر سبعينيات القرن الماضي وبدايات ثمانينياته، لتتحول حكايتهم إلى وثيقة حيّة تعكس مرارة التغييب القسري والملاحقات الأمنية الممتدة. 
الابن الأكبر: عبد القادر.. البداية من ركن الدين إلى مجهول تدمر
بدأت فصول المأساة في السابع عشر من شهر نيسان/أبريل عام 1978. كان عبد القادر العباسي، مواليد دمشق 1953 وخريج كلية الشريعة، ابناً باراً لعائلته قبل أن تعتقله جهة أمنية مجهولة من منزل العائلة في ركن الدين.
تصف العائلة رحلة البحث المضنية التي قادتهم بعد عام كامل إلى سجن المزة العسكري عبر الشرطة العسكرية في القابون. سمحت السلطات للعائلة بزيارته مرتين فقط، قبل أن ينقطع أثره نهائياً. وتشير الشهادات المتداولة إلى احتمالية نقله مع معتقلين آخرين إلى سجن تدمر العسكري، لتتوارى أخباره وسط ترجيحات بإعدامه هناك، تاركاً خلفه غصّة لم تبرأ لقرابة نصف قرن. 
الأب: حسين العباسي.. جريمة “إنجاب” عبد الناصر
لم تكد العائلة تفيق من صدمة الابن البكر، حتى امتدت يد الاعتقال لتطال الأب، حسين العباسي، مواليد 1930، والذي اعتقل في تشرين الأول/أكتوبر عام 1980.
وتلخص إجابة الضابط المسؤول عن الاعتقلة حجم التعسف السائد آنذاك؛ إذ رد حين سُئل عن التهمة بالقول: “لأنه أنجب عبد الناصر العباسي”. نُقل الأب إلى فرع المخابرات الجوية، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره تماماً. محاولات العائلة الحثيثة، بدءاً من سجلات الشرطة العسكرية وصولاً إلى مراجعة مكتب الأمن القومي والتقاء مدير مكتب علي دوبا، لم تسفر سوى عن وعود وهمية بانتظار اتصال لم يأتِ أبداً. 
الابن الأوسط: عبد الناصر.. قائد في “الطليعة المقاتلة” ونهاية دراماتيكية في الميدان
يبرز اسم الابن الثاني، عبد الناصر العباسي، مواليد 1957، كأحد أكثر الوجوه مطاردة في تلك المرحلة. بدأت ملاحقته أمنياً عام 1975، ووصل الأمر بوزارة الداخلية إلى نشر صوره ورصد مكافأة مالية قدرها مئة ألف ليرة سورية لمن يدلي بمعلومات عنه.
ظل عبد الناصر متوارياً عن الأنظار لعام كامل، قبل أن تضطر الظروف عائلته للقائه سراً في محيط البيت، حيث كان يتحرك مسلحاً بعد انخراطه في قيادة “الطليعة المقاتلة”.
في تشرين الثاني/نوفمبر 1981، انتهت مطاردة عبد الناصر بكمين أمني دبره أحد عناصر الأمن المدعو “عبد الكريم الرجب” في منطقة الميدان بدمشق، أمام جامع المنصور. كان برفقته رفيقه الشهيد أحمد زين العابدين الذي تمكن من الفرار، بينما أصيب عبد الناصر في كتفه. بحسب شهادات مقربة، صعد الجرحى إلى مبنى مقابل للجامع، وألقى عبد الناصر ما بحوزته من ذخيرة واشتبك مع عناصر الأمن موقعاً فيهم إصابات قبل أن يفقد وعيه إثر النزيف.
جرى نقله حياً إلى مشفى حرستا العسكري للعلاج، ثم إلى فرع التحقيق، ومنه إلى سجن تدمر، حيث لقي حتفه إعداماً على يد السجان فيصل الغانم، في عملية وُصفت بأنها ثأر شخصي انتقاماً لأخيه. 
تظل عائلة حسين العباسي وأبنائه عبد القادر وعبد الناصر نموذجاً صارخاً لضحايا آلة أمنية لم تكتفِ بالاعتقال والتصفية، بل غيّبت تفاصيل المصير لعقود، تاركةً العائلات السورية معلقة بين أمل العودة ويقين الشهادة. 
Exit mobile version