Site icon Syria Trends

في حلب.. أب وابنته يرمّمان سجادا عمره قرون

في ورشة متواضعة بمدينة حلب السورية، يعمل عمر الرواس وابنته ميسم، البالغة 17 عاما، على ترميم قطع سجاد ومنسوجات يدوية عريقة أنهكتها السنوات والحرب، في محاولة للحفاظ على إرث ثقافي تتوارثه الأجيال.
ولا يقتصر عمل الرواس وابنته ميسم على رتق خيوط السجاد البالية، بل يتجاوزه إلى “رتق ذكريات” عائلية وتضميد جراح مدينة أنهكتها سنوات الحرب، وإعادة الحياة إلى مقتنيات عائلية تختزن ذكريات أصحابها.
ويواصل الرواس (51 عاما)، وهو حرفي أمضى 42 عاما في مهنة ترميم السجاد، وابنته التي تمثل المرأة الوحيدة العاملة في هذه الحرفة بحلب، إحياء فن تقليدي توارثته المدينة على مدى قرون، متحديين الأضرار التي خلفتها الحرب وما أصاب المنسوجات من تلف بفعل الزمن.
ومع عودة الحلبيين إلى منازلهم بعد انقضاء سنوات الحرب القاسية، وجد الكثيرون ضالتهم في ورشة “الرواس” لترميم سجادهم المتضرر المتوارث في عائلاتهم، أملا في استعادة رونقه والحفاظ على الذكريات المنسوجة في خيوطه.
* ذكريات مخبأة في كل غرزة
بدأت ميسم الرواس، التي تتلقى تعليما فنيا، العمل في الورشة بدافع شغفها بالمهنة التي تعلمتها من والدها، لتصبح الحرفية الوحيدة في العائلة التي تواصل هذا العمل.
وتقول ميسم لمراسل الأناضول إنها استهلت تجربتها بترميم سجادة حريرية من نوع “أوبوسون”، يعود عمرها إلى 120 عاما.
وتضيف: “مع كل غرزة أصلحها، أضمد جراح الناس”.
وتوضح أن من أصعب مراحل الترميم العثور على خيوط قديمة تتطابق ألوانها تماما مع ألوان النسيج الأصلي، مشيرة إلى أنهم يمزجون خيوطا صوفية بألوان مختلفة للوصول إلى أقرب درجة ممكنة من اللون الأصلي.
ولا تقتصر مهمة ميسم على إصلاح السجاد وإعادة مظهره، بل تسعى أيضًا إلى ترك أثر طيب ودائم لدى أصحابه، لما تحمله هذه القطع من ذكريات شخصية وعائلية.
وتقول: “عانت حلب آلاما وأزمات كبيرة. عندما أرمّم هذه القطع، أترك أثرًا إيجابيًا في أذهان الناس وقلوبهم، وكأنني أضمد جراحهم. لدى الناس ذكريات في هذه السجادات، وفي كل غرزة ذكرى مخبأة”.
وفي وقت يتجه فيه كثير من الشباب إلى التكنولوجيا، اختارت ميسم التمسك بتاريخ مدينتها وثقافتها، معربة عن أملها في تعليم هذا الفن للأجيال الجديدة على المستوى الأكاديمي، والحيلولة دون اندثاره.
* عاشق لهذه المهنة
على مدار 42 عاما، تمسك عمر الرواس بمهنته التي يعتبرها إرثا عائليا يتحدى الزمن والصعاب.
ويقول الرواس إنه قرر نقل هذا الفن لابنته بعد أن لمس شغفها بالفن والنسيج، لتشاركه العمل على قطع سجاد تاريخية يتراوح عمرها بين 150 و170 عاما.
ويضيف: “يزداد شغفي بهذه المهنة كلما أكون في الورشة أو أعكف على ترميم السجاد القديم. ينبغي للعاملين المشتغلين بالحرف اليدوية والتقليدية والفن والثقافة أن يحبوا مهنتهم”.
ويعمل الأب وابنته على ترميم السجاد الذي تضرر خلال الحرب، أو أصابه التلف بسبب تخزينه في ظروف غير مناسبة، في محاولة لاستعادة مظهره وإطالة عمره.
ويصف الرواس تأثير عملهما قائلا: “عندما نرمم السجاد الذي تحول إلى أنقاض وسط الحرب، نشعر وكأن الإنسانية والمباني الحجرية المدمرة تعود إلى الحياة من جديد”.
ولم يقتصر صيت الورشة على الداخل السوري، بل امتد لجذب زبائن من دول مثل سويسرا والولايات المتحدة، يحملون سجادهم التاريخي خصيصاً لترميمه بين يدي الرواس
ويختم الرواس حديثه قائلا إن “إعادة إحياء ذكريات أصحاب السجاد تمنحنا سعادة كبيرة. فالناس الذين يعودون إلى منازلهم المدمرة يستعيدون ذكرياتهم المرتبطة بالسجاد الذي نُرمّمه”.
Exit mobile version