عودة السورية للطيران إلى المطارات الأوروبية خطوة مهمة، لكنها تمثل في الوقت نفسه اختباراً لقدرة الشركة على إدارة الرحلات وفق معايير دقيقة، تبدأ قبل إقلاع الطائرة ولا تنتهي عند هبوطها.
فنجاح الرحلة لا يعتمد على جاهزية الطائرة والتصاريح فقط، بل يتطلب استكمال ترتيبات الوقود والمناولة ومواقف الطائرات وخدمات المسافرين والتنسيق مع إدارة المطار. وأي نقص في هذه المنظومة قد يؤدي إلى تأخير الرحلة، وإرباك المسافرين، والإضرار بصورة الناقل الوطني.
رحلة كوبنهاغن تكشف الخلل
في حالة رحلة كوبنهاغن، تمثلت المشكلة في عدم استكمال ترتيبات تزويد الطائرة بالوقود قبل وصولها إلى المطار. وكان يُفترض أن تكون هذه الخدمة مؤكدة وموثقة، وأن تكون جميع الجهات المعنية على علم بها قبل إقلاع الطائرة من دمشق.
فالوقود ليس خدمة يمكن ترتيبها بعد الوصول، بل عنصر أساسي في خطة الرحلة. وعندما لا تكون الترتيبات محسومة مسبقاً، فإن ذلك يكشف خللاً في التنسيق بين الجهات المسؤولة عن التشغيل والخدمات الأرضية.
المشكلة، إذن، لم تكن في الطائرة أو الطاقم، بل في إدارة المتطلبات المرتبطة بالرحلة.
تكرار المشكلة يفرض المساءلة
سبق أن تأخرت رحلة أمستردام بسبب عدم توافر الوقود في الوقت المطلوب داخل المطار. وقد تحدث اضطرابات مماثلة في أي مطار، لكن تكرارها في محطات أوروبية مختلفة يستدعي مراجعة آلية التخطيط للرحلات الخارجية.
السؤال هنا ليس عن سبب تأخير واحد، بل عن مدى وجود نظام يضمن تأكيد الخدمات الأساسية قبل تنفيذ الرحلة، ويتابعها حتى اكتمالها، ويضع بديلاً واضحاً عند تعذرها.
فإذا كانت المشكلة تتكرر، فهذا يعني أن المعالجة لا ينبغي أن تقتصر على كل حادثة بمفردها، بل يجب أن تشمل طريقة العمل نفسها.
الخلل إداري وليس فنياً
عندما تكون الطائرة جاهزة، والمطار مفتوحاً، والتصاريح متوافرة، ثم تتعطل الرحلة بسبب عدم تأمين الوقود، فإن المسؤولية تقع على الجهات المكلفة بالتنسيق والتشغيل، لا على الطاقم الجوي.
كان يُفترض تحديد المسؤول عن كل خدمة، وتوثيق الاتفاقات مع مزوديها، ومتابعة تنفيذها قبل موعد الرحلة، والتأكد من وجود بدائل عند الحاجة. أما ترك هذه الملفات إلى اللحظات الأخيرة، فيعني أن الشركة تعمل برَدّ الفعل بدلاً من التخطيط المسبق.
وهذا الأسلوب لا ينسجم مع متطلبات تشغيل ناقل وطني على خطوط دولية.
دور “ميكس جت”
لا بد من توضيح دور شركة “ميكس جت” في هذه الواقعة؛ فالشركة ليست الجهة التي تقدم خدمات المناولة الأرضية للسورية للطيران في كوبنهاغن، كما أنه ليس لديها فرع في كوبنهاغن أو تمثيل تشغيلي دائم في المطار.
لكنها تدخلت للمساعدة والحد من آثار المشكلة، اعتماداً على علاقاتها الطيبة وثقة المشغلين بها داخل المطار، وانطلاقاً من حرصها على سمعة الناقل الوطني وهيبة الدولة السورية.
لذلك، لا يصح تحميلها مسؤولية الخلل، بل إن تدخلها ساهم في تسيير الرحلة ومعالجة الوضع، رغم أنها لم تكن الجهة المسؤولة أصلاً عن تأمين الوقود أو تقديم خدمات المناولة في كوبنهاغن. وتبقى المسؤولية على الجهات التي كان يُفترض بها تأمين الوقود واستكمال الترتيبات قبل تنفيذ الرحلة.
الموافقات لا تضمن نجاح التشغيل
الحصول على الموافقات لتشغيل رحلات إلى أمستردام وكوبنهاغن وفيينا يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات الجاهزية.
فالنجاح الحقيقي يظهر في انتظام الرحلات، واحترام المواعيد، وتأمين الخدمات، وسرعة التعامل مع الطوارئ، والالتزام بمتطلبات المطارات الأوروبية.
وأي خلل تشغيلي في هذه المطارات لا يبقى شأناً داخلياً، لأنه يؤثر في ثقة المسافرين وشركاء الخدمة والجهات التنظيمية، وينعكس على صورة الشركة والدولة معاً.
من يتحمل المسؤولية؟
المطلوب فتح تحقيق إداري يحدد بوضوح:
• مَن كان مسؤولاً عن تأمين الوقود؟
• متى جرى التواصل مع الجهة المزودة؟
• هل كانت الترتيبات مثبتة قبل الإقلاع؟
• مَن تابع تنفيذها؟
• لماذا لم تتوافر خطة بديلة؟
• ما الإجراءات التي اتُخذت بعد حادثة أمستردام لمنع تكرارها؟
كما ينبغي أن تشمل المراجعة الجهة التنظيمية المشرفة على قطاع الطيران، إذ لا تقتصر مسؤوليتها على منح الموافقات، بل تمتد إلى متابعة جاهزية الشركة وأدائها بعد بدء التشغيل.
المطلوب إصلاح آلية العمل
تحتاج السورية للطيران إلى إعادة تنظيم إداري وتشغيلي تضع فيه الخبرة العملية في صدارة المواقع المسؤولة عن الرحلات الدولية.
ويشمل ذلك تحديد الصلاحيات، وتعيين مسؤول مباشر لكل ملف، واعتماد قوائم تحقق قبل الإقلاع، وتوثيق الاتفاقات مع مزودي الخدمات، وإنشاء آلية تصعيد سريعة عند ظهور أي خلل.
كما يجب ألا ينتهي التعامل مع التأخير ببيان يصفه بأنه ظرف عابر، بل ينبغي تحليل أسبابه، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ إجراءات تمنع تكراره.
تأخير رحلة كوبنهاغن نتج عن عدم استكمال ترتيبات تزويد الطائرة بالوقود قبل وصولها، وهو خلل إداري وتشغيلي لا فني. وتزداد خطورته مع تكرار مشكلة مشابهة في رحلة أمستردام؛ لأن التكرار يشير إلى ضعف في التخطيط والمتابعة.
أما تدخل شركة «ميكس جت»، فلم يكن نتيجة وجود فرع لها في كوبنهاغن، بل جاء اعتماداً على علاقاتها الطيبة وثقة المشغلين بها داخل المطار، وساهم في تسيير الرحلة والحد من آثار المشكلة، من دون أن تكون مسؤولة عن الخلل الأصلي.
عودة السورية للطيران إلى أوروبا فرصة مهمة، لكن الحفاظ عليها يتطلب إدارة تضمن كل خدمة قبل الإقلاع، وتتعامل مع الرحلات وفق نظام واضح لا يترك الملفات الأساسية للحظة الأخيرة.
المطلوب هو تحقيق، ومحاسبة، وتحديد للمسؤوليات، وإعادة تقييم للكوادر والآليات؛ فالحصول على إذن الهبوط في أوروبا لا يكفي، والأهم هو إثبات القدرة على التشغيل المنتظم، واحترام المسافرين، وحماية سمعة الناقل الوطني وهيبة الدولة السورية.
