من ميادين الثورة إلى استحقاقات الدولة… شهادة رياضي حمل أمانة الرياضة السورية

0
3

لم تكن الرياضة السورية طوال سنوات الثورة مجرد نشاط شبابي أو منافسات داخل الملاعب، بل كانت جزءاً من معركة الحفاظ على الهوية والكرامة، ومساحة لإثبات أن السوريين قادرون على البناء والعمل حتى في أصعب الظروف.

منذ انطلاق الثورة السورية، اختار عدد من الرياضيين والمدربين والإداريين الوقوف إلى جانب شعبهم، ودفعوا أثماناً كبيرة نتيجة مواقفهم. ابتعدوا عن المؤسسات الرياضية الرسمية التي كانت خاضعة لمنظومة النظام السابق، لكنهم لم يبتعدوا عن الرياضة، بل حملوا مسؤولية استمرارها وحماية أجيال كاملة من الشباب من الضياع والتهميش.

كنت واحداً من الذين حملوا هذا الملف، وعشت تفاصيله على مدى أربعة عشر عاماً، مؤمناً بأن الرياضة ليست مجرد كرة قدم أو بطولات وميداليات، وإنما مؤسسة مجتمعية وتربوية قادرة على صناعة الإنسان وتعزيز الانتماء الوطني.

خلال سنوات عملي في تركيا، ولا سيما في ولاية هاتاي، شاركت في تأسيس وتنظيم العمل الرياضي للسوريين، وتوليت مسؤوليات في اللجنة الرياضية، بدءاً من منصب نائب الرئيس وصولاً إلى رئاسة اللجنة في مرحلة لاحقة. وعملنا بالتنسيق مع الجهات الرياضية التركية، وعلى رأسها مديرية الشباب والرياضة، على تنظيم البطولات والدوريات لمختلف الفئات العمرية، من الأطفال دون السابعة وصولاً إلى فئة الرجال.

لم يكن العمل سهلاً، فقد بدأنا بإمكانات محدودة وعدد قليل من الأندية واللاعبين، لكننا استطعنا توسيع التجربة لتشمل عشرات الفرق وآلاف اللاعبين، وأقمنا أنشطة رياضية وشبابية بالتعاون مع جهات تركية ودولية، من بينها منظمة اليونيسف.

كما ساهمت في تأسيس أكاديمية الهدف الرياضية، والعمل على تطوير المشاريع الرياضية والشبابية في شمال سوريا، والمساهمة في بناء مديرية الرياضة في إدلب، إلى جانب مبادرات احتضان الشباب وتوفير مساحات آمنة لهم، إيماناً بأن الطفل والشاب السوري يستحقان فرصة حقيقية للحياة والتعلم والمنافسة، بعيداً عن آثار الحرب والانقسام.

اليوم، وبعد سقوط النظام السابق والتحرر من حقبة طويلة من الاستبداد، نقف أمام استحقاق مختلف تماماً.

لقد انتهت مرحلة إسقاط النظام، لكن مسؤولية بناء الدولة لم تنتهِ. بل بدأت المرحلة الأصعب، وهي مرحلة بناء المؤسسات على أسس الكفاءة والنزاهة والعدالة، بعيداً عن المحسوبيات والولاءات الشخصية وإعادة إنتاج التجارب السابقة.

ومن هنا، فإن الرياضة السورية ليست استثناءً من هذا الاستحقاق الوطني.

لا يمكن أن نتحدث عن رياضة جديدة بعقلية قديمة، ولا عن إصلاح حقيقي من خلال إعادة تدوير الشخصيات والآليات التي ساهمت في إضعاف المؤسسات الرياضية وتهميش الكفاءات وإقصاء كل من رفض الخضوع لمنظومة النظام السابق.

إن الاتحادات الرياضية واللجنة الأولمبية والهيئات الإدارية والأندية ليست ملكاً لأشخاص أو مجموعات، بل هي مؤسسات وطنية ملك لجميع السوريين، ويجب أن تُدار وفق قوانين واضحة وانتخابات ديمقراطية شفافة وجمعيات عمومية حقيقية تمثل الرياضيين، لا أن تتحول إلى واجهات للمصادقة على قرارات جاهزة.

وأنا هنا لا أدعو إلى إقصاء أحد لمجرد اختلافه السياسي أو الرياضي، وإنما أطالب بالتمييز الواضح بين من عمل بإخلاص لخدمة الرياضة، ومن استغل المؤسسات الرياضية لتحقيق مصالح شخصية أو مارس الإقصاء والتهميش أو تورط في انتهاكات وفساد. فالمعيار يجب أن يكون الكفاءة والنزاهة والمساءلة.

إنصاف رياضيي الثورة ليس مطلباً شخصياً، بل استحقاق وطني.

هناك رياضيون ومدربون وإداريون دفعوا أثماناً باهظة بسبب مواقفهم، وهناك مؤسسات وتجارب رياضية نشأت في ظروف استثنائية، وقدمت الكثير رغم غياب الإمكانات والدعم. ومن غير المقبول أن تنتهي الثورة ليجد هؤلاء أنفسهم خارج المشهد، بينما تعود الوجوه والعقليات التي كانت سبباً في إقصائهم.

كما أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من مسار بناء الدولة، فلا يجوز تجاوز حقوق الضحايا أو نسيان دماء الشهداء. إن محاسبة المجرمين والقتلة والمتورطين في الانتهاكات حق للضحايا وذويهم، وأهالي الشهداء وأبناؤهم يستحقون أن يكونوا في مقدمة أولويات الدولة. فالعدالة ليست انتقاماً، وإنما أساس المصالحة الوطنية وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه.

ومن هذا المنطلق، أؤمن بأن أهل الثورة ونخبها الوطنية والكفاءات التي عملت في ظروف صعبة هم جزء أساسي من الحل، وأن خبراتهم وتجاربهم يجب أن تكون حاضرة في مؤسسات الدولة الجديدة، دون أن يعني ذلك احتكار العمل أو إقصاء الآخرين.

رسالتنا اليوم إلى الحكومة ووزارة الرياضة والاتحادات الرياضية واضحة:
إن بناء الرياضة السورية يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة، وإلى مراجعة جادة للمرحلة السابقة، وإلى فتح الأبواب أمام الكفاءات داخل الوطن وخارجه، وإلى إشراك الرياضيين الذين حافظوا على الرياضة السورية خلال سنوات الثورة.

نريد مؤسسات قوية لا أشخاصاً أقوياء على حساب المؤسسات، ونريد انتخابات حقيقية لا توافقات مغلقة، ونريد أن تكون مصلحة اللاعب والمدرب والرياضي فوق المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.

لقد عملنا سنوات طويلة دون انتظار منصب أو مكافأة، وتحملنا مسؤوليات لم تكن سهلة، وقدمنا ما استطعنا تقديمه لأننا كنا نؤمن أن سوريا تستحق الأفضل.
واليوم، لا نطالب بمكافأة على ما قدمناه، ولا نبحث عن موقع على حساب أحد، بل نطالب بألا تُهدر تلك التجارب، وألا يُقصى أصحابها، وألا تتحول تضحيات الرياضيين السوريين إلى مجرد ذكريات.

لقد بقينا على العهد، وسنبقى أوفياء لدماء الشهداء وتضحيات شعبنا، ومتمسكين بحقنا في رؤية سوريا دولة مؤسسات وعدالة وكفاءة.

فالتحرير لم يكن نهاية الطريق، بل بداية المسؤولية والرياضة التي نطمح إليها يجب أن تكون انعكاساً لسوريا الجديدة التي حلم بها السوريون: عادلة، قوية، موحدة، وتحتضن جميع أبنائها.