بين فكوك الاعتقال التعسفي وأروقة المحاكم العسكرية، تتكشف فصول جديدة من المأساة الإنسانية التي يعاني منها السجناء السياسيون السابقون في سوريا.
قضية جديدة تطفو على السطح، بطلها مواطن سوري عاد في إجازة قصيرة من أستراليا/النمسا ليجد نفسه ملقى في غياهب سجون المخابرات العسكرية لسنوات دون وجه حق، ليتفاجأ اليوم بملاحقته قضائياً رغم صدور مراسيم العفو وإلغاء المحاكم العسكرية المفترضة.
بداية الكابوس: من إجازة عائلية إلى زنزانة انفرادية
بدأت الحكاية في عام 2020، حين قرر الشاب (المقيم في فيينا) قضاء إجازة بين أهله ووطنه في دمشق. ودون سابق إنذار، أو ضبط أولي، أو حتى مذكرة قانونية، اقتحمت دورية تابعة لفرع المخابرات العسكرية في المزة منزل أهله واعتقلته.
ثلاث سنوات كاملة قضاها المعتقل في زنزانة انفرادية، معزولاً عن العالم الخارجي، لتبدأ بعدها فصول عبثية من التلاعب بالأوراق والقوانين.
تلفيق التهم وفبركة “الضبط”
حين انتهت السنوات الثلاث، حاولت الجهات الأمنية تحويله إلى محكمة الارهاب، إلا أن المحكمة رفضت استقبال الملف لخلوه من أي “ضبط أولي”. ولتغطية فترة الاعتقال الطويلة وغير القانونية، طُلب منه التوقيع على ضبط يعود لتاريخ شهرين فقط! وعندما رفض هذا التلاعب صارخ البياض وصرخ بوجه المحققين، تم إرجاعه إلى الشرطة العسكرية.
هناك، وبتوجيهات أمنية مباشرة، وُجهت له تهم جديدة لا علاقة لها بالاعتقال الأساسي (التخابر)، بل تهم “تزوير دفاتر خدمة علم وتهريب أشخاص”. حُوكم أمام المحكمة العسكرية برئاسة (محمد كنجو)، حيث مُنع محاميه حتى من مجرد التقدم بطلب إخلاء سبيل. وفي مهلة قياسية لم تتجاوز 15 يوماً، صدر بحقه حكم بالسجن لمدة 10 سنوات بتهمة “تزوير جنائي”، رغم عدم وجود أي مدعي شخصي، ورغم أن القضية بأكملها “حق عام” مفبرك وملصق بعناية.
صدمة العودة والتناقض القانوني
بعد خروجه يوم التحرير وتوجهه فوراً إلى تركيا لاستكمال رحلة العلاج الباهظة والصعبة كونه مريض “غسيل كلى”، تفاجأ اليوم (أثناء مراجعة أهله للمحكمة) بأنه ما زال مطلوباً لاستكمال الحكم الصادر بحقه!
يتساءل الضحية بمرارة وحرقة:
* أين ذهبت مراسيم العفو العام وإلغاء المحاكم الاستثنائية والعسكرية؟
* كيف يُحاسب إنسان على “جريمة” لا مدعي فيها، وبأدلة وهمية أُعدت خصيصاً لتبرير سنوات الاعتقال العرفي غير القانوني؟
* لماذا يتم حرمان مواطن من وطنه وحياته وابتزازه بملفات مفبركة بينما تترك الجرائم الحقيقية؟
القضية ليست مجرد حالة فردية، بل هي مرآة لواقع قانوني وإنساني يحتاج إلى وقفة جادة من وزارة العدل.
