تتخبط مدينة حمص، كغيرها من المدن السورية، في معادلة غاية في التعقيد؛ بين ضرورة نفض غبار الدمار وإعادة الإعمار، وبين حتمية الحفاظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي لأبنائها. ويأتي مشروع “بوليفارد النصر” ليضع هذه المعضلة على الطاولة بشكل فاقع، محولاً النقاش العمراني إلى قضية حقوقية واجتماعية بامتياز.
الاستثمار الفاخر مقابل الواقع المعيشي
من الناحية الاقتصادية البحتة، يُنظر إلى مشاريع مثل “بوليفارد النصر” بوصفها فرصة ذهبية لجذب رؤوس الأموال وتحريك عجلة الاقتصاد العمراني. غير أن الطبيعة الاستثمارية البحتة لهذه المشاريع تفرض سعراً باهظاً يتماشى مع العائد الربحي المنشود، مما يجعلها موجهة حصراً لشرائح معينة من المقتدرين والمستثمرين، بعيداً كل البعد عن واقع الأغلبية الساحقة من أبناء المدينة من أصحاب الدخل المحدود والطبقة الفقيرة التي تُقدر بنسب واسعة من سكان حمص.
أين أولوية الإعمار؟
يثير المشروع تساؤلات جوهرية ومشروعة حول أولويات المرحلة:
. هل الأولوية لبناء أبراج ومجمعات فخمة، أم لتأمين مستوى لائق وعودة آمنة لأصحاب البيوت المهدمة والمهجرين؟
. تحول إعادة الإعمار في بعض واجهاتها إلى أسواق عقارية مغلقة، يعجز فيها ابن المدينة عن شراء أو حتى استئجار عقار في منطقته.
. إن التنمية المستدامة لا تقاس فقط بارتفاع المباني الفخمة، بل بمدى استفادة القاعدة الأوسع من المجتمع من ثمار هذا التطوير.
نحو رؤية متوازنة
مدينة حمص تستحق بكل تأكيد أن تعود أفضل مما كانت، ولكن بشرط أن تكون “لأهل حمص جميعاً” لا لفئة دون أخرى. فالاستثمار الناجح هو الذي يدمج البعد الإنساني والاجتماعي مع الجدوى الاقتصادية، بحيث لا تتحول إعادة الإعمار إلى عملية إقصاء صامتة لمن صنعوا تاريخ هذه المدينة وبقوا متمسكين بترابها رغم قسوة الظروف.
في الختام، من هم رجال الأعمال الحقيقيون القائمون على هذا المشروع، وهل للداعمين السابقين للأسد دور؟
