تختزن الذاكرة الاقتصادية والشعبية في سوريا محطات عميقة طبعت شكل الحياة المعيشية لقرن مضى. ولم يكن “الفرنك” مجرد عملة أجنبية عابرة في الوجدان السوري، بل كان جزءاً أساسياً من المعاملات اليومية ووحدة قياس مالية وثقافية راسخة امتدت لعقود طويلة، قبل أن ينفصل المسار النقدي السوري تماماً وتبدأ الليرة هويتها المستقلة.
من أنقاض العثمانية إلى عباءة الفرنك
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية ودخول قوات الحلفاء سورية عام 1918، شهدت البلاد تخبطاً نقدياً مؤقتاً يتمثل في تداول الجنيه المصري وبعض العملات المعدنية الأخرى. ومع إقرار اتفاقية صلح لوزان وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، أُسس “البنك السوري” عام 1919 (الذي تحول لاحقاً إلى بنك سوريا ولبنان الكبير).
في عام 1924، صدرت أول “ليرة سورية – لبنانية” موحدة ومغطاة بالفرنك الفرنسي، حيث رُبطت الليرة رسمياً بالفرنك بمعدل ثابت: كل 1 ليرة سورية تعادل 20 فرنكاً فرنسياً، وهو ما يعني بقاعدة الحساب العشري أن كل 5 قروش سورية كانت تعادل فرنكاً واحداً.
حضور الفرنك في الذاكرة الشعبية والشامية
في حقبة الانتداب وما بعده وصولاً إلى أربعينيات القرن العشرين، كان الفرنك حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للبسطاء والتجار على حد سواء.
تشير الذاكرة الشفوية وكبار السن إلى فئات “نصف الفرنك” (الذي كان معدنياً وصغيراً ومثقوباً في الوسط) و”الفرنك الكامل”، حيث كان بمقدور الطفل أو المواطن شراء حاجيات أساسية أو حلويات كالبونبون وسيخ لحم بفرنك أو بضع فرنكات، وكتب على الأوراق النقدية السورية الأولى تعهد صريح من مصرف فرنسا بدفع القيمة المقابلة بالشيكات أو بالفرنكات، مما جعل الاقتصاد السوري مرتبطاً بشكل وثيق بالسياسة النقدية الفرنسية وتقلبات الفرنك وتضخمه.
الفرنك في الأمثال الشعبية: “الفرنك المصدي”
تخطى حضور الفرنك المدى المالي والاقتصادي ليغوص عميقاً في الذاكرة والوجدان الشعبي السوري، حيث وُظّف في التعبير المجازي والأمثال الدارجة.
ومن أبرز التعبيرات التي شاعت ولا تزال تُستخدم حتى اليوم عبارة “ما بيسوى فرنك مصدي” أو “حقه فرنك مصدي”؛ وهي كناية شعبية تُستخدم للدلالة على شدة رخص الشيء، أو انعدام قيمته المادية والمعنوية، أو لتقليل شأن أمر أو شخص، تشبيهاً بالعملات المعدنية القديمة التي لحقها الصدأ وتآكلت وأصبحت مرفوضة في التداول وعادمة الفائدة.
الانفصال الكبير (1948 – 1949)
بدأت تظهر الأصوات الاقتصادية والسياسية الوطنية المطالبة بالانفكاك عن السيطرة النقدية الفرنسية لإنهاء التبعية الاقتصادية. وفي عام 1948، حدث الانفصال الفعلي لتبدأ الليرة السورية مسارها المستقل عن الليرة لبنانية والفرنك الفرنسي.
وفي 8 فبراير/شباط 1949، اعترفت فرنسا رسمياً باستقلال الليرة السورية عن منطقة الفرنك، لتتأسس لاحقاً مؤسسة النقد السوري (مصرف سوريا المركزي لاحقاً) وتعتمد الليرة على الغطاء الذهبي والقطع الأجنبي المستقل، طاوية بذلك صفحة استمرت لعقود من الارتباط العضوي بالفرنك.
