تُعد مادة الأسمنت العصب الأساسي لأي حركة عمرانية، لا سيما في مراحل التعافي وإعادة الإعمار، حيث تستهلك الأسواق المحلية يومياً عشرات آلاف الأطنان لتلبية احتياجات قطاع البناء والمقاولات. هذا الطلب الهائل يطرح تساؤلات ملحة حول معادلة “الإنتاج المحلي مقابل الاستيراد”، في وقت تشهد فيه الأسواق تدفقاً للأسمنت المستورد من دول إقليمية كالأردن والسعودية.
أين تكمن المعضلة؟
إن الاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجات السوق يثير نقاشاً اقتصادياً مشروعاً حول استنزاف القطع الأجنبي، وتأثير ذلك على خزينة الدولة، مقابل قدرة المعامل المحلية — وفي مقدمتها معمل عدرا — على تلبية هذا الاحتياج لو تم توفير الظروف التشغيلية المثلى لها.
في المقابل، يشير الخبراء إلى أن اللجوء إلى الاستيراد غالباً ما يأتي كضرورة لملء الفجوة الكبيرة بين حجم الطلب الفعلي والقدرة الإنتاجية الحالية للمعامل الوطنية، والتي عانت لسنوات من تحديات جسيمة في توفير مستلزمات الإنتاج الأساسية، وعلى رأسها الطاقة (الفيول والكهرباء).
التحديات التي تواجه الصناعة الوطنية
1. كلفة الطاقة والتشغيل: تشكل أسعار حوامل الطاقة النسبة الأكبر من تكلفة إنتاج الطن الواحد من الأسمنت، وغياب الاستقرار في تأمينها يجعل المنافسة السعرية مع المستورد أمرًا بالغ الصعوبة.
2. القدرة الاستيعابية للمعامل: الحاجة الملحة لتوسيع وتأهيل خطوط الإنتاج القائمة في معامل القطاع العام (عدرا وطرطوس) تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة قد تعجز الموازنة وحدها عن تغطيتها.
3. التوازن بين حماية المنتج وضرورة السوق: فرض رسوم جمركية أو ضرائب عالية على المستورد قد يحمي المنتج المحلي مؤقتاً، لكنه يحمل مخاطر ارتفاع الأسعار محلياً، مما ينعكس بشكل مباشر على تكلفة البناء ويُثقل كاهل المواطن.
رؤية مقترحة للحلول الاقتصادية
لتحقيق مصلحة الاقتصاد الوطني وحماية مقدرات البلد، لا بد من الانتقال من سياسة رد الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي عبر خطوات عملية:
• دعم مدخلات الإنتاج: توفير حوامل الطاقة (الفيول والكهرباء) لمعامل الأسمنت الوطنية بأسعار تفضيلية ومستقرة، لتمكينها من خفض تكلفتها الفعلية ومنافسة المستورد بجدارة.
• فتح باب الاستثمار والشراكة: تشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لاستقطاب رؤوس أموال جديدة قادرة على تحديث وتوسيع طاقات معامل عدرا وطرطوس، أو بناء معامل جديدة بمعايير حديثة.
• سياسة حماية ذكية ومدروسة: ربط أي قيود أو رسوم على الاستيراد بمدى جاهزية وارتفاع حجم الإنتاج المحلي الفعلي، ضماناً لعدم حدوث أي نقص أو احتكار في السوق، وحتى يظل سعر المادة في متناول قطاع المقاولات والبناء.
إن تحرير مادة الأسمنت ودعم الصناعة الوطنية بمعزل عن الإضرار بالمستهلك أو شل حركة السوق، يتطلب نظرة تكاملية توازن بين حماية الخزينة ودعم المنتج السوري ليعود كما كان، ركيزة أساسية في بناء المستقبل.
