عزمي بشارة: نسبة تصويت المواطنين العرب حرمت نتنياهو من تحقيق الأغلبية

0
1
شرّح المدير العام لـ”المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” عزمي بشارة، في حوار أجراه معه تلفزيون العربي من مدينة لوسيل في دولة قطر، مساء الجمعة، نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وردّ على الحملة التي تشنها عليه وعلى دولة قطر أوساط صهيونية نتيجة المشاركة القياسية للمواطنين العرب، والتي يعود إليها الفضل في منع بنيامين نتنياهو ومعسكره من حصد الغالبية الضرورية لتشكيل حكومة، بحسب قراءة المفكر العربي. قراءة رأى فيها أن زعيم المعسكر المناهض لنتنياهو، غادي أيزنكوت، “أقل سوءاً من نتنياهو، ولكن معسكره لا يطرح بديلاً حقيقياً لليمين”.
ولم تغب عن المقابلة قراءته السريعة لانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة المقررة يوم الثلاثاء المقبل، والتي يُتوقع أن تعرف “موجة ديمقراطية زرقاء” باتت شبه محسومة برأيه في مجلس النواب، مع احتدام صراع لصيق جداً على مجلس الشيوخ، محذراً في الوقت نفسه من أن قرار الحرب على إيران لا يرتبط بنتيجة انتخابات الكونغرس، وهو ما يدفعه إلى تكرار ما قاله في حوار مع القناة التلفزيونية نفسها يوم الخميس ما قبل الماضي، وحرفيته أن الاتفاق مع إيران أفضل لهذا البلد ولدول المنطقة، لأننا نقترب من نهاية الوضع الحالي من التأرجح بين الحرب والسلم، أي ندنو من حسم الأمور بين طهران وواشنطن باتجاه حرب أو اتفاق. 
التصويت العربي هزم نتنياهو
وتوقف بشارة طويلاً أمام نسبة التصويت التي بلغت 80 في المائة لدى المواطنين العرب يوم الثلاثاء الماضي، ورأى أنها هي ما منعت بنيامين نتنياهو ومعسكره من تحقيق غالبية الـ61 مقعداً الضرورية لتشكيل حكومة. وشدد على أن ما نجح في إقناعهم بالمشاركة في هذه النسبة القياسية هو حكومة نتنياهو وإيتمار بن غفير، ذلك أن العرب في الداخل صُدموا بحرب الإبادة في غزة وبقمعهم وبمنعهم من التعبير عن موقفهم من المجزرة، فخافوا وتكوّن احتقان عندهم، وكانوا ينتظرون الانتخابات ليعبّروا عن هذا الغضب والاحتقان، وهو ما حصل. واسترسل في هذا السياق مشيراً إلى أن ما ارتكبته حكومة نتنياهو في القطاع والضفة وفي حق عرب الداخل وحروبها وجرائمها الخارجية “لم يترك حاجة لأحد لكي يقنع العرب بالإقبال الكثيف”. كذلك، فإنّ عرب الداخل شعروا بأنهم مهددون جدياً بمواطنتهم وبشرعيتهم، فخرجوا إلى الصناديق نوعاً من إثبات وجود وممارسة مواطنة تدخل في تناقض مع الصهيونية.
وعن السجال بشأن ما هو الأفضل لمصلحة المواطنين العرب بين قائمة واحدة أو اثنتين أو ثلاث، أجاب بشارة بأنّ المهم رفع نسبة التصويت بغض النظر عن عدد قوائمهم، بدليل أنهم ربحوا 19 مقعداً في قائمتين. إنجاز أخرج اليمين الإسرائيلي عن طوره، حسب ما يلاحظ بشارة في حواره مع تلفزيون العربي، “إلى درجة مجاهرة رموزه بشعارات الأبارتهايد”.
أما الاستحقاق الأقرب المرتبط بنتيجة الانتخابات، فهو انتخاب رئيس للكنيست، وهو مناسبة مهمة بالنسبة إلى المواطنين العرب لأنه “سيكون أسهل على النواب العرب العمل في البرلمان إن كان رئيس الكنيست من خارج معسكر نتنياهو، وقد يكون يئير لبيد”، وفق كلام ضيف تلفزيون العربي. وكرر أن الأهم يبقى منع نتنياهو من تشكيل ائتلاف، متأسفاً لأن بعض العرب المنتخبين، في إشارة إلى القائمة الموحدة (8 مقاعد)، تجاهر بقبولها العمل مع حكومة برئاسة غادي أيزنكوت في مقابل خدمات مدنية واقتصادية، وهذا ما تحقق طيلة العقود الماضية، وقد كان بشارة رمزاً للعمل خلالها من داخل الكنيست لدورات أربع متتالية من أجل الحقوق السياسية والمدنية، من دون أن يدخلوا في حكومات حروب وفصل عنصري. وفي هذا السياق، شدد على أن غالبية أصوات العرب ذهبت إلى القائمة المشتركة “التي قد تساوم، ولكنها لا تدخل في ائتلافات حكومية”.
الحملة على قطر وعليّ “خيال مريض”
التصويت العربي غير المسبوق “سببه الرئيسي سياسي مطلق”، يقول عزمي بشارة، وكل الكلام عن دور جمعيات أميركية ويهودية أو دفع المال “كلام فارغ” بالنسبة إلى مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”. كذلك هو “خيال مريض” وفق مصطلحات بشارة ما يحرّك الحملة الصهيونية ضده وضد دولة قطر من وزراء ونواب وإعلاميين إسرائيليين يتهمونه هو والدوحة بأداء دور حاسم في النتيجة التي خرجت من صناديق الاقتراع، وفي إيصال نسبة التصويت العربي إلى عتبة الـ80 في المئة. ومع أنه “خيال مريض”، كرّس المفكر العربي دقائق من الحوار التلفزيوني ليرد عليه، مستدركاً بأن أكثر ما يلفت النظر في هذا الموضوع درجة استخدام رموز تلك الحملة، مثل وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شكيلي، نظرية المؤامرة لتبرير خسارتهم. وذكّر بأن “أي دولة ديمقراطية فعلاً، أي ليس إسرائيل”، تعتبر أن الخروج إلى الانتخابات أمر صحي جداً، لا بل أن 22 دولة تقريباً تعتبر أن التصويت إلزامي وتفرض غرامات على الممتنعين، مثل أستراليا وبلجيكا. وتوقف بشارة عند مستوى الهذيان في عقول هؤلاء بإيضاحه أن مجلة ميكور ريشون الإسرائيلية المقربة من نتنياهو كتبت أمس (الجمعة) أن الاحتجاجات والأحداث الحالية في فرنسا تقف وراءها دولة قطر. ووصف هذا الكلام بأنه “هلوسة وهوس وكذب صريح”، جازماً بأن لا وقت لديه ليدير حملة في ظل انشغاله بالعمل البحثي والتأليفي وذلك الخاص بمؤسسات أنشأها. واختصر الموقف بالقول: “أنا طبعاً مع شعبي، ولكن لا وقت لدي لأدير حملات، والإنسان يجب ألا يتزحزح عن مواقفه نتيجة هذه الحملات، فالخطأ ألا نتخذ هذه المواقف لا العكس”. ورداً على سؤال عن جمعه مع دولة قطر في حملة صهيونية واحدة، أجاب بأن هذا خيال لا أساس له من الصحة، لافتاً إلى أنّ السبب الأهم في الحملة على الدوحة قد يكون موقفها الداعم للقضية الفلسطينية.
سيناريوهات ممكنة
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المرجحة أو الممكنة بعدما لم تفرز صناديق الاقتراع فائزاً يوم الثلاثاء، كرر بشارة ما قاله في الحوار السابق مع تلفزيون العربي عن وجود ضغط أميركي باتجاه تأليف حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو ينضم إليها أيزنكوت وآخرون من معسكره، ربما مع أفيغدور ليبرمان الذي سبق أن تولى منصب مدير مكتب نتنياهو قبل أن يحصل الخلاف بينهما. وهذا الخيار لتفادي إعادة الاقتراع، يتبناه أيضاً الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الذي يذكّر بشارة بأنه كان قيادياً في حزب العمل ومشهور بالتوقيع على الصواريخ التي يتم إطلاقها على لبنان وغزة. وتابع حديثه عن محاولات متبادلة بين معسكري نتنياهو وأيزنكوت لاستمالة شخصيات وأحزاب، أو إدخال المعسكر المعارض في حكومة برئاسة نتنياهو ربما مع تناوب في رئاسة الحكومة لسنتين، بينما رئيس الوزراء الحالي يحاول إقناع شخصيات من فريق خصمه ليتفادى مرارة المناوبة على رئاسة الحكومة. وأعطى بشارة مثالاً عن المحاولات الجارية حالياً، عبر قنوات اتصال بحركة حريدية اسمها يهدوت هتوراه ولديها 7 مقاعد، لتنفصل عن معسكر نتنياهو وتنضم إلى تحالف أيزنكوت بشكل يصبح لدى الأخير 55 مقعداً ويحقق بذلك غالبية يهودية صريحة.
وعاد بشارة بالزمن إلى ما قبل انتخابات 1999، ليشرح كيف أن حزب العمل الذي ربح انتخابات تلك السنة، حصل في انتخابات 2022 على 4 مقاعد، والآن، بتحالفه مع حزب ميرتس اليساري هو الآخر، حقق 8 مقاعد فقط. وهنا يظهر أنه في ما عدا هؤلاء النواب الـ8 من اليسار الصهيوني، كل البقية من اليمين. والخلاصة بالنسبة إلى الضيف أن التيار اليساري الصهيوني المنظم انتهى وما بقي أفراد، فـ”إما أن يكون اليسار غير صهيوني أو ينقرض”، بحسب تعبيره. وفي هذا الإطار، قال بشارة إن “أيزنكوت أقل سوءاً من نتنياهو”، ولكن، شأنه شأن جميع منافسيه من اليمين، لا يستقرون على حزب وشكل تنظيمي. وضرب بشارة مثلاً في بني غانتس الذي كان الزعيم الأقوى للمعارضة، ولم يمر حزبه في نسبة الحسم (3.25 في المائة) يوم الثلاثاء الماضي. وفسّر هذه الظاهرة بأن القوى الليبرالية اليمينية، التي لا تختلف عن الليكود تجاه قضايا فلسطين والحل العادل، لا تجد طريقة لتستقر حزبياً وفكرياً، لأنها لا تطرح بديلاً حقيقياً لليمين. أما الطرح الوحيد المختلف جذرياً، فيتعلق بنمط الحياة والحريات وصلاحيات القضاء، و”في ما عدا ذلك، كل نقدهم لنتنياهو أمني أو يتعلق بعدم تجنيد الحريديم في الجيش”.
ما ينتظر المنطقة والإقليم بعد الانتخابات
وبشأن تأثير نتيجة التصويت على القضايا الإقليمية، أوضح بشارة أن معارضي نتنياهو لا يرفضون سياساته الإقليمية من حيث المبدأ، أكان ما يتعلق بإيران أو لبنان أو سورية، بل من حيث الأدوات والشكل. من هنا، لا فرق تجاه الحرب على إيران بين حكومة نتنياهو أو أخرى منبثقة من المعسكر المعارض له. لكنه في المقابل يشرح أن لدى هؤلاء بعض النقد للمستوطنين في الضفة الغربية، وقد يكون هناك ميل لدى بعضهم في معسكر أيزنكوت للانفتاح على السلطة الفلسطينية من دون إزالة المستوطنات ولا إقامة دولة ولا انسحاب إلى حدود الـ67 طبعاً.
وفي تقدير بشارة، قد تراعي حكومة من المعسكر المناهض لنتنياهو تحالفات أميركا في المنطقة أكثر مما يفعل مجلس الوزراء الحالي، وقد تكون الحياة في ظلها أقل صعوبة بالنسبة إلى عرب الداخل وللفلسطينيين في الضفة، و”لكن على المستوى الدولي، قد تكون حكومة منبثقة من المعسكر المناهض لنتنياهو أكثر فائدة لإسرائيل” لجهة أن صورتها ستكون أفضل مما هي في عزلتها الدولية الحالية مع حكومة يمين متطرف ومن يسميهم بشارة إرهابيين بوزن بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.