عقب المظاهرات المطالبة بفرض سلطة الدولة.. ما الذي يجري في محافظة الحسكة؟

0
1
بينما خرجت مظاهرات، يوم الجمعة الماضي، في مدينتي الرقة والحسكة، مطالبةً بفرض سيادة الدولة على محافظة الحسكة، أعقبتها تحركات ميدانية لأبناء العشائر في حي العزيزية، قابلتها بيانات رسمية شددت على ضرورة ضبط السلاح، وسط تبادل للاتهامات وتضخيم للروايات على مواقع التواصل الاجتماعي بين مناصري ميليشيا «قسد» المنحلة ومؤيدي الحكومة السورية.
لذلك أجرت “زمان الوصل” استطلاعاً شمل سياسيين وصحفيين عرباً وكرداً، للوقوف على آخر التطورات في المحافظة. كما نقلت الصحيفة مجموعة من أسئلة أهالي الحسكة إلى الحكومة السورية، التي استجابت سريعاً عبر ممثليها في المحافظة وقدمت إجابات عنها.
الحلبي: احتقان شعبي ومطالب بحماية المتظاهرين
وصف الصحفي إبراهيم حجي الحلبي، المنحدر من محافظة الحسكة، الأوضاع في المحافظة بأنها تشهد حالة من الاحتقان الشعبي، عقب المظاهرات التي طالبت بدخول مؤسسات الدولة السورية وبسط سيادتها.
وأشار إلى أن المتظاهرين رفعوا العلم السوري في ساحة الحرية، التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد”، وتُعرف باسم ساحة السلام.
وبحسب الحلبي، قوبلت المظاهرات بحالة من الاستنفار من جانب عناصر كانت منضوية تحت مظلة “قسد”، وتحمل، وفق وصفه، أجندات وأيديولوجيات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
وأضاف أن ردود الفعل تمثلت، في زيادة الحواجز واستفزاز الأهالي في الحسكة والقامشلي والقرى المحيطة، ما أسهم في تأجيج التوتر في المنطقة.
وتحدث الحلبي عن نشاط منصات رسمية تابعة لـ«قسد» على مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً إنها نشرت محتوى وصفه بالتحريضي، وتضمن،خطاب كراهية وتشويهاً لصورة المشاركين في الاحتجاجات.
كما اتهم هذه المنصات باستخدام صور قديمة وأخرى مولّدة بالذكاء الاصطناعي، بهدف الإساءة إلى المتظاهرين.
وأكد الحلبي أن الأهالي يوجهون رسائل واضحة إلى الدولة السورية، مطالبين إياها بالقيام بواجباتها في حماية السكان والتعامل بجدية مع مطالبهم. وأشار إلى وقوع حالات اعتقال عدة، قال إن أصحابها أُفرج عنهم لاحقاً عقب ضغوط إعلامية.
وفي سياق حديثه عن ضبط السلاح، أشار الحلبي إلى بيان صادر عن مديرية الأمن الداخلي في الحسكة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، مستشهداً بحادثة قال إنها وقعت في حي العزيزية، حيث أوقف أبناء الحي سيارة بلا لوحات تحمل مسلحين، قبل تسليم من كانوا فيها إلى الأمن الداخلي.
كما تحدث عن حادثة أخرى قال إنها وقعت في حي غويران، موضحاً أن عناصر من “الشبيبة الثورية” اعتقلوا شخصاً وعذبوه، على خلفية اتهامه بالمشاركة في مظاهرات الجمعة الماضية، التي أُطلق عليها اسم “جمعة العلم السوري”، قبل الإفراج عنه لاحقاً.
ورأى الحلبي أن المسؤولية باتت تقع على عاتق الدولة السورية، في ظل تصاعد حالة الغضب في مدينة الحسكة وريفها، محذراً من احتمال امتداد الاحتجاجات إلى القامشلي ومناطق أخرى، نتيجة الاستياء الشعبي مما يجري.
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً في أشكال الاحتجاج، قد يصل إلى تنظيم اعتصامات، بما في ذلك اعتصام محتمل أمام وزارتي الداخلية والخارجية في دمشق، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين والكشف عن مصير أشخاص قال إنهم رُحّلوا إلى العراق، محمّلاً “قسد” المسؤولية عن ذلك.
وختم الحلبي بالقول إن الشارع في الحسكة لا يزال يترقب موقف الدولة، وينتظر خطوات عملية تنصف الحراك الشعبي وتتعامل بجدية مع مطالبه، محذراً من أن استمرار الغموض وعدم تقديم إجابات واضحة قد يفاقمان حالة الاحتقان.
الحمد: مطالبنا تتعلق بسلطة الدولة لا بالكرد
من جانبه، قدّم المهندس والسياسي عمار الحمد، من أهالي الرقة، قراءة سياسية لمظاهرات الجمعة، مؤكداً أن الاحتجاجات حملت ثلاث رسائل أراد المشاركون إيصالها إلى أهالي الحسكة والحكومة السورية والكرد في عموم البلاد.
وقال الحمد: “خرجنا في الاحتجاجات ووجهنا ثلاث رسائل؛ الأولى إلى أهلنا في الحسكة، بأننا معهم ومع مطالبهم المحقة. والثانية إلى الحكومة السورية، بأننا معكم في مسار الاندماج ما دام يحقن الدماء، ولكن بشرط فرض هيبة الدولة”.
وأضاف أن الرسالة الثالثة موجّهة إلى الكرد في عموم سوريا، قائلاً: “نحن وأنتم في مركب واحد، وعدونا واحد وهدفنا واحد، وهو سوريا لكل السوريين”.
وفي توضيحه لموقفه من القوى الموجودة في المنطقة، قال الحمد: “مشكلتنا ليست مع أهلنا الكرد، نحن ضد فصيل معين، وهو حزب العمال الكردستاني (PKK) والشبيبة الثورية”.
خليل: حصر السلاح وتسريع الدمج مدخلان للاستقرار
أكد الناشط والمحلل السياسي الكردي عبد الوهاب خليل، في حديثه لـ”زمان الوصل”، ضرورة تبني خطاب وطني جامع يعزز التماسك بين أبناء المجتمع، ويكرس قيم التفاهم والتعايش المشترك، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
وأشار إلى أن الظروف الحساسة التي تمر بها المحافظة تستدعي خطاباً مسؤولاً يسهم في تهدئة النفوس، والحد من التوتر، وتعزيز الثقة المتبادلة بين مختلف مكونات المجتمع، بعيداً عن لغة التخوين والانقسام والتصعيد.
وأضاف أن الحسكة، بما تتميز به من تنوع اجتماعي وثقافي، تحتاج اليوم إلى لغة تجمع أبناءها ولا تفرق بينهم، وتؤكد أن أمن المدينة واستقرارها مسؤولية مشتركة، وأن حماية النسيج الاجتماعي تتطلب من الجميع التحلي بالحكمة والمسؤولية وتغليب لغة العقل والحوار.
ولفت خليل إلى أن أهالي الحسكة يعيشون حالة من القلق والترقب في ظل استمرار مظاهر عدم الاستقرار، وما يرافقها من مخاوف بشأن المستقبل وسلامة المدنيين.
وقال إن هذا الواقع يجعل الحاجة ملحة إلى خطاب وطني واضح ومطمئن، يضع أمن المواطنين وكرامتهم في مقدمة الأولويات، ويسهم في إعادة بناء الثقة بين أبناء المجتمع، ويؤكد أن الخلافات، مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للانقسام أو تهديد للسلم الأهلي.
وأكد خليل أهمية حصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يضمن خضوعه للقانون، ويحفظ سلامة المواطنين، ويحد من احتمالات الفوضى والتوتر.
كما رأى أن تسريع خطوات الدمج وتوحيد المؤسسات الأمنية والإدارية، وفق تفاهمات واضحة وضمانات عملية، يشكل خطوة مهمة نحو إنهاء حالة عدم الاستقرار، وتعزيز حضور المؤسسات، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة الحياة الطبيعية إلى المدينة.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تتطلب من مختلف القوى والفعاليات الاجتماعية والسياسية والشخصيات المؤثرة ووسائل الإعلام تحمل مسؤولياتها في تبني خطاب وطني جامع، يبتعد عن التحريض والتأجيج، ويرفض كل ما من شأنه تعميق الانقسامات، ويركز بدلاً من ذلك على القواسم المشتركة والمصالح التي تجمع أبناء الحسكة.
ولفت إلى أن الكلمة المسؤولة في أوقات التوتر يمكن أن تسهم في تهدئة المخاوف واحتواء الخلافات، وفتح الطريق أمام حلول واقعية تحمي المجتمع من مزيد من الاحتقان.
وشدد خليل على أن الحسكة بحاجة اليوم إلى خطاب يطمئن أهلها، ويعزز شعورهم بالأمان والانتماء، ويؤكد أن مستقبل المدينة لا يمكن أن يُبنى إلا بالتعاون والتفاهم واحترام حقوق جميع أبنائها.
وأوضح أن الأمن والاستقرار لا يتحققان بالإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاجان أيضاً إلى بيئة اجتماعية متماسكة، وثقة متبادلة، وإرادة حقيقية لتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
كما دعا الأطراف المعنية بملف الدمج إلى الإسراع في اتخاذ خطوات جادة تعزز الثقة المجتمعية، مشيراً إلى أن تفعيل المؤسسات الخدمية والأمنية يسهم في توفير بيئة آمنة ومستقرة.
وختم خليل حديثه بالقول إن الجميع ينتظر عودة الخدمات وإنهاء الملفات العالقة، محذراً من أن تأخر استكمال عملية الدمج يزيد من فرص إفشالها. وأشار إلى أن التركيز على الدمج المجتمعي، إلى جانب الوضوح والمصارحة والمكاشفة، من شأنه أن يسهم في تعزيز الاستقرار.
مطالب بفرض السيادة ومخاوف من اتساع الاحتقان
وبين المطالب الشعبية بفرض سيادة الدولة والدعوات إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، تتجه الأنظار إلى الخطوات التي ستتخذها الحكومة السورية لاحتواء التوتر والاستجابة لمطالب الأهالي. 
وفي ظل تباين المواقف وتبادل الاتهامات، تبرز الحاجة إلى إجراءات عملية تعزز الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة، وتسرّع تنفيذ تفاهمات الدمج، بما يضمن توحيد المؤسسات الأمنية والإدارية ويحفظ حقوق جميع مكونات المحافظة.